متى يجوز الصيام بعد منتصف شعبان؟.. الحالات المستثناة من النهي الشرعي
مع إشراقة النصف الأخير من شهر شعبان لعام 2026، وبعد انقضاء ليلة النصف من شعبان التي تحمل في طياتها ذكرى تحويل القبلة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام، يزداد تساؤل المسلمين حول مشروعية الصيام فيما تبقى من هذا الشهر الفضيل.
إن شهر شعبان يمثل الجسر الروحي الذي يعبر بنا إلى شهر رمضان المبارك، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يخصه بمزيد من الصيام والقيام؛ فعن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: "ما رأيته أكثر صيامًا منه في شعبان". ومع ذلك، تبرز أحكام فقهية دقيقة تتعلق بالصيام بعد يوم الخامس عشر من شعبان، حيث تهدف هذه الأحكام إلى الفصل بين النوافل وصيام الفريضة، وإعطاء الجسد قسطًا من الراحة قبل دخول شهر رمضان، ولتجنب ما يُعرف بـ "يوم الشك" الذي نهى الشارع الحكيم عن صومه احتياطًا لرمضان، ما لم يكن للمسلم عادة سابقة في الصيام أو واجب شرعي يتحتم عليه قضاؤه.
الحالات المنهي عنها في صيام النصف الأخير من شعبان وفقًا لدار الإفتاء المصرية
أوضحت دار الإفتاء المصرية أن الأصل في النهي عن الصيام بعد انتصاف شعبان يتعلق بـ "التنفل المطلق"؛ أي أن يشرع المسلم في الصيام دون سبب سابق أو عادة مستقرة. فإذا لم يكن الشخص معتادًا على صيام يومي الإثنين والخميس، أو صيام الأيام البيض، وأراد فجأة أن يبدأ الصيام بعد يوم الخامس عشر من شعبان، فإن هذا الفعل يقع تحت دائرة النهي النبوي. والهدف من هذا النهي هو عدم إرهاق النفس قبل رمضان، وللتفرقة الواضحة بين ما هو سنة وما هو فريضة. ويشدد الفقهاء على أن هذا النهي يشتد في الأيام الأخيرة من الشهر، خاصة يوم الثلاثين من شعبان "يوم الشك"، وهو اليوم الذي لا يُعرف فيه هل هو المتمم لشعبان أم الغرة من رمضان، وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين إلا رجل كان يصوم صومًا فليصمه".
متى يجوز الصيام بعد منتصف شعبان؟.. الحالات المستثناة من النهي الشرعي
بالرغم من النهي العام عن التنفل المطلق، إلا أن هناك حالات شرعية يجوز فيها الصيام بل وقد يجب، وهي الحالات التي حددتها دار الإفتاء بناءً على المذاهب الفقهية. أولًا: من كانت له عادة سابقة، مثل من يصوم الإثنين والخميس دائمًا، فله أن يواصل صيامه حتى لو وقع في النصف الثاني من شعبان.
ثانيًا: صيام القضاء، فمن كان عليه أيام فائتة من رمضان الماضي، يجب عليه المسارعة بقضائها في شعبان قبل دخول رمضان الجديد، ولو في الأيام الأخيرة منه. ثالثًا: صيام النذر والكفارات، مثل كفارة اليمين التي تتطلب صيام ثلاثة أيام، فهي واجبة الأداء ولا يشملها النهي. رابعًا: من وصل صيام النصف الثاني بما قبله، أي بدأ الصيام من قبل يوم الخامس عشر واستمر بعده. هذه الاستثناءات تضمن للمسلم أداء حقوق الله الواجبة عليه دون الوقوع في مخالفة السنة النبوية التي رغبت في الاستعداد البدني لرمضان.
أفضل الطاعات والعبادات المستحبة لاستقبال شهر رمضان المبارك 2026
بجانب الصيام الجائز، هناك حزمة من العبادات التي يُستحب للمسلم الحرص عليها فيما تبقى من شعبان لتهيئة قلبه لرمضان 2026. يأتي في مقدمة هذه العبادات "قراءة القرآن الكريم"، حيث كان السلف يلقبون شهر شعبان بـ "شهر القراء"، فيكثفون فيه ختمات القرآن لتعويد اللسان على التلاوة.
كما يُستحب الإكثار من "الاستغفار والدعاء"، خاصة الأدعية التي تسأل الله بلوغ رمضان بصحة وإيمان. كما يعد "قيام الليل" مدرسة تربوية عظيمة في شعبان، حيث تبدأ صلاة القيام من بعد العشاء وتستمر حتى الفجر، وهي تدريب عملي لصلاة التراويح. ولا ننسى "إخراج الصدقات" وتفقد أحوال الفقراء والمساكين ليدخلوا رمضان بغير عوز، وهي من أحب الأعمال إلى الله في هذه الأيام المباركة التي تُرفع فيها الأعمال إلى رب العالمين، مما يستوجب أن يرفع العمل والعبد في أحسن حال من الطاعة والذكر والصلة.
التوازن بين الطاعة والاتباع في ختام شهر شعبان
إن العبادة في شهر شعبان تقوم على التوازن الدقيق بين الرغبة في الطاعة وبين اتباع الهدي النبوي في الأحكام. إن الصيام بعد النصف من شعبان جائز لأصحاب الأعذار والقضاء والعادات، ومنهي عنه لمن أراد الابتداع أو التنفل غير المعتاد.
الغاية الكبرى هي أن نصل إلى رمضان 2026 ونحن في كامل طاقتنا الروحية والبدنية، مقبلين على الله بقلوب طاهرة. فلنجعل مما تبقى من شعبان ساحة للتوبة النصوح، والإكثار من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وترديد الأدعية المأثورة التي تجلب راحة البال والرزق الوفير. نسأل الله أن يبارك لنا في شعبان، وأن يبلغنا رمضان وهو راضٍ عنا، وأن يعيننا فيه على الصيام والقيام وغض البصر وحفظ اللسان، ليكون رمضان هذا العام انطلاقة حقيقية نحو التغيير للأفضل في ديننا ودنيانا.
