الأربعاء 04 فبراير 2026
booked.net

مستقبل التيار الأخضر بعد سيف الإسلام: هل تندفع ليبيا نحو فوضى أمنية جديدة؟

سيف الإسلام القذافي
سيف الإسلام القذافي

شهدت الساحة الليبية تطورًا أمنيًا وسياسيًا هو الأبرز منذ سنوات، بإعلان مقتل سيف الإسلام القذافي، نجل الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي، في عملية اغتيال غامضة استهدفت مقر إقامته في مدينة الزنتان. 

هذا الحدث الذي أكده مستشاره ورئيس فريقه السياسي، عبدالله عثمان، يضع ليبيا أمام سيناريوهات معقدة، بالنظر إلى الثقل السياسي والرمزي الذي كان يمثله سيف الإسلام لقطاع واسع من الليبيين، خاصة أولئك الذين كانوا يراهنون على عودته عبر صناديق الاقتراع. وبينما تسود حالة من الترقب المشوب بالحذر في مختلف المدن الليبية، تبرز تساؤلات ملحة حول هوية الجهة المنفذة والتوقيت الحرج لهذه العملية، في وقت كانت فيه البلاد تبحث عن مخرج من انسدادها السياسي المزمن.

 

كواليس العملية: فرقة كوماندوز وتعطيل تقني محكم

تشير التفاصيل المسربة عن عملية الاغتيال إلى تخطيط عسكري واستخباراتي دقيق، حيث كشف مستشار سيف الإسلام أن مجموعة تتألف من أربعة رجال مجهولي الهوية، وصفتهم وكالات أنباء دولية بـ "فرقة كوماندوز"، تمكنوا من اقتحام مقر الإقامة عقب تعطيل كاميرات المراقبة المحيطة بالمكان بشكل تقني. هذا الاختراق الأمني لواحد من أكثر المواقع تحصينًا في الزنتان يطرح علامات استفهام كبرى حول الجهات التي تمتلك القدرة والجرأة على تنفيذ عملية بهذه الحساسية. إن غياب التعقيب الرسمي من أسرة القذافي حتى الساعات المتأخرة زاد من حدة التكهنات، رغم التأكيدات القاطعة التي صدرت عن الدائرة المقربة من سيف الإسلام، والتي نعت الفقيد بكلمات مقتضبة حملت صدمة كبيرة لأنصاره في الداخل والخارج.

النفي العسكري وتوزع السيطرة في الغرب الليبي

في مقابل تأكيدات الاغتيال، سارعت القوى العسكرية الفاعلة في المنطقة الغربية إلى توضيح مواقفها، حيث نفى "اللواء 444 قتال" بشكل قاطع أي صلة له بالاشتباكات التي دارت في مدينة الزنتان أو بالحديث عن ملاحقة سيف الإسلام القذافي. وأكد اللواء في بيان رسمي أن مهامه الأمنية والعسكرية لا تمتد إلى داخل النطاق الجغرافي للزنتان، مما يعزز فرضية أن العملية قد تكون ناتجة عن صراع داخلي بين المجموعات المسلحة في المدينة، أو أنها عملية خارجية نُفذت بأدوات محلية. هذا التضارب في البيانات يظهر مدى هشاشة الوضع الأمني وتعدد مراكز القرار العسكري في ليبيا، حيث تظل مدينة الزنتان، التي كانت تحتجز سيف الإسلام منذ عام 2011، بؤرة لتجاذبات سياسية وعسكرية لا تنتهي.

سيف الإسلام.. من طموح الرئاسة إلى الملاحقة الدولية

يعد سيف الإسلام القذافي الشخصية الأكثر جدلًا في العقد الأخير من تاريخ ليبيا؛ فبينما كان يراه أنصاره المنقذ والوريث الشرعي لـ "الجماهيرية"، كانت تلاحقه مذكرات توقيف دولية من المحكمة الجنائية الدولية بتهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية. ورغم صدور حكم بالإعدام ضده من محكمة في طرابلس عام 2015، إلا أن رفض مجموعات الزنتان المسلحة لتسليمه جعل منه لاعبًا سياسيًا خلف الستار، خاصة بعد إعلان ترشحه لانتخابات 2021 التي لم تُكتب لها الولادة. إن مقتله ينهي مسيرة رجل كان يطمح لاستعادة مجد والده، ويترك "التيار الأخضر" وقبائل القذاذفة وحلفاءهم في حالة من الفراغ القيادي الذي قد يؤدي إلى تصدع هذا التيار أو اندفاعه نحو خيارات راديكالية للرد على عملية الاغتيال.

مآلات المشهد الليبي وتداعيات غياب الوريث السياسي

إن غياب سيف الإسلام القذافي عن المشهد لن يمر مرور الكرام على التوازنات القبلية والسياسية؛ فالمناطق التي كانت تشكل حاضنة شعبية له في الجنوب والوسط، مثل سبها وبني وليد، قد تشهد موجات من الاحتجاج أو التمرد العسكري ضد القوى التي يُشتبه بضلوعها في الجريمة. علاوة على ذلك، فإن عملية الاغتيال بحد ذاتها تمثل ضربة قاصمة لجهود المصالحة الوطنية، حيث تُرسخ فكرة التصفيات الجسدية كبديل للتنافس السياسي. ومع اقتراب القوى الدولية من صياغة تفاهمات جديدة في ملفات إقليمية مجاورة مثل السودان، تبرز ليبيا مرة أخرى كساحة مفتوحة على كافة الاحتمالات، حيث يخشى المراقبون من أن يؤدي رحيل سيف الإسلام إلى اشتعال جبهات قتال كانت خامدة، وإعادة البلاد إلى المربع الأول من الصراع الوجودي بين الفرقاء.

نهاية حقبة وبداية أزمة ثقة

ختامًا، يمثل مقتل سيف الإسلام القذافي نهاية تراجيدية لواحد من أبرز رموز النظام السابق، وفتحًا لملف مثقل بالدماء والتعقيدات القانونية والسياسية. إن الطريقة التي قُتل بها، بعيدًا عن أروقة القضاء وبأيدي "فرقة كوماندوز" مجهولة، تعكس غياب الدولة وضعف المؤسسات الأمنية الليبية. وسواء أكان الهدف من الاغتيال هو إقصاء منافس سياسي شرس، أو تصفية حسابات قديمة، فإن النتيجة واحدة: ليبيا فقدت فرصة لمواجهة ماضيها عبر القانون، ودخلت في نفق جديد من الغموض الذي قد يحرق ما تبقى من أمل في الاستقرار القريب. سيبقى لغز الزنتان مطروحًا، وستظل تداعيات رحيل "الوريث" ترسم ملامح الصراع الليبي في القادم من الأيام.