محيي الدين إسماعيل.. الممثل الذي كتب الرواية وترجمت أعماله للغات عالمية
يعد الفنان القدير محيي الدين إسماعيل حالة فنية فريدة ومتميزة في تاريخ السينما والدراما المصرية، فهو ليس مجرد ممثل يؤدي أدوارًا مكتوبة على الورق، بل هو باحث وفيلسوف استطاع أن يغوص في أعماق النفس البشرية ويخرج بمكنوناتها على الشاشة. ولد محيي الدين محمد إسماعيل في الثامن من نوفمبر لعام 1940 في مدينة كفر الدوار بمحافظة البحيرة، ونشأ في بيئة ثقافية وتربوية رصينة، حيث كان والده من كبار رجال التربية والتعليم وحاصلًا على شهادة العالمية، بينما كانت والدته ابنة عمدة القرية، مما خلق لديه توازنًا بين الانضباط التعليمي والجذور الريفية الأصيلة وسط عائلة كبيرة تضم خمسة أشقاء وثلاث أخوات.
التكوين الأكاديمي والبدايات الفنية في المسرح القومي
لم تكن انطلاقة محيي الدين إسماعيل وليدة الصدفة، بل جاءت نتيجة دراسة أكاديمية معمقة، حيث جمع بين دراسة الفلسفة في كلية الآداب بجامعة عين شمس، وبين دراسة فن التمثيل في المعهد العالي للفنون المسرحية. هذا المزيج الفريد منح أدواته التمثيلية بعدًا فكريًا ونفسيًا غاب عن الكثيرين من أبناء جيله. بدأ مسيرته المهنية في المسرح القومي، الذي يعد أعرق المسارح العربية، وقدم من خلاله مسرحيات خالدة تركت بصمة في وجدان الجمهور مثل "سليمان الحلبي" و"دائرة الطباشير القوقازية" و"الليلة السوداء". وفي عام 1969، ساهم في تأسيس "مسرح المائة كرسي التجريبي" بالمركز الثقافي التشيكي، وهو ما عكس توجهه المبكر نحو الفن غير التقليدي والبحث عن تجارب مسرحية تخاطب العقل والروح.
رائد السايكودراما وتخصص الأدوار المركبة في السينما
عندما انتقل محيي الدين إسماعيل إلى السينما، اختار لنفسه طريقًا وعرًا ومختلفًا، حيث انجذب بقوة نحو الشخصيات التي تعاني من أزمات نفسية حادة وصراعات داخلية معقدة. وبدلًا من السعي وراء أدوار "الجاني" التقليدية، ركز طاقته الإبداعية على تجسيد "السايكودراما"، وهو الفن الذي يعنى بتصوير الصراعات النفسية للإنسان بشكل درامي. وبفضل هذا التخصص الدقيق، أطلق عليه النقاد والجمهور لقب "رائد السايكودراما" في مصر. وقد تجلت عبقريته في فيلم "الإخوة الأعداء" عام 1974، حيث قدم دور "حمزة الأرماني" ببراعة مذهلة جعلته يحصد جائزة مهرجان طشقند السينمائي الدولي، متفوقًا في الأداء بجوار عمالقة مثل نور الشريف وحسين فهمي ويحيى شاهين.
الإنتاج الأدبي وإشادة العالم أحمد زويل برواية "المخبول"
لم تقتصر موهبة محيي الدين إسماعيل على التمثيل فحسب، بل هو أديب ومؤلف يمتلك قلمًا لا يقل براعة عن موهبته التمثيلية. يهوى القراءة والتأليف بشكل نهم، وقد أصدر عدة مؤلفات كان أبرزها رواية "المخبول" التي أحدثت ضجة ثقافية كبيرة وحققت انتشارًا واسعًا على المستوى المحلي والدولي. هذه الرواية لم تكن مجرد سرد قصصي، بل كانت تحليلًا نفسيًا واجتماعيًا عميقًا، مما دفع العالم المصري الراحل أحمد زويل للثناء عليها ووصفها بأنها "رواية تستحق الاهتمام"، كما تُرجمت إلى أكثر من لغة عالمية. بالإضافة إلى ذلك، قدم أعمالًا منشورة أخرى مثل "مسافر على باب الله" و"جراح النفوس"، ليؤكد أنه فنان شامل يبحث عن الحقيقة في النفس البشرية بكل الوسائل المتاحة.
سجل حافل من الأعمال السينمائية والدرامية عبر العصور
يمتلك محيي الدين إسماعيل أرشيفًا فنيًا يمتد لأكثر من خمسين عامًا، تنوعت فيه أدواره بين التاريخي والاجتماعي والنفسي. في السينما، شارك في أفلام تعتبر من كلاسيكيات السينما المصرية مثل "خلي بالك من زوزو"، و"الرصاصة لا تزال في جيبي"، و"بئر الحرمان". وفي العصر الحديث، لفت الأنظار بقوة في فيلم "الكنز" بجزئيه الأول والثاني حيث جسد شخصية "الكاهن الأكبر" بأسلوبه الخاص والمميز. أما في الدراما التلفزيونية، فقد برع في تقديم الشخصيات التاريخية مثل "يوليوس قيصر" في مسلسل "كليوباترا"، وشخصية "كليبر" في مسلسل "الأبطال"، بالإضافة إلى أعمال دينية وتاريخية مثل "موسى بن نصير" و"نسر الشرق"، مما يبرهن على مرونته العالية وقدرته على تقمص الشخصيات باختلاف حقبها الزمنية.
أهم أعمال الفنان محيي الدين إسماعيل (قائمة مختارة):
| تصنيف العمل | اسم العمل الفني | السنة / الملحوظات |
|---|---|---|
| أفلام سينمائية | الإخوة الأعداء، الرصاصة لا تزال في جيبي، الكنز | أدوار مركبة وتاريخية |
| مسلسلات | كليوباترا، الأبطال، نسر الشرق، أهل الكهف | شخصيات تاريخية قيادية |
| مسرحيات | سليمان الحلبي، دائرة الطباشير القوقازية | المسرح القومي والتجريبي |
| مؤلفات أدبية | رواية المخبول، جراح النفوس | تُرجمت لعدة لغات |
يظل محيي الدين إسماعيل أيقونة فنية لا تتكرر، استطاع أن يصنع لنفسه مدرسة خاصة تعتمد على العمق النفسي والفلسفي، بعيدًا عن الأنماط التقليدية، مما جعله يستحق التكريم في المحافل الدولية والمحلية كواحد من أبرز المبدعين الذين أثروا المكتبة الفنية العربية بأعمال ستظل خالدة في ذاكرة الأجيال.
