من الصيدلة إلى السينما العالمية.. المحطات الملهمة في حياة المبدع محمود ميسرة السراج
يعد الفنان محمود ميسرة السراج واحدًا من أبرز القامات الإبداعية في تاريخ السودان المعاصر، حيث استطاع بعبقرية نادرة أن يجمع بين تخصصات فنية وثقافية متنوعة، فهو الممثل البارع، والمؤلف الموسيقي المجدد، والشاعر المرهف، والسينمائي الذي وصلت أصداء أعماله إلى المحافل الدولية، تخرج السراج في كلية الصيدلة بجامعة الخرطوم عام 1987، إلا أن شغفه بالفنون كان المحرك الأساسي لمسيرته، حيث درس التأليف الموسيقي بمعهد الموسيقى والمسرح، وتلقى دورات متقدمة في علوم الصوت والمقامات والتدوين الموسيقي وموسيقى الجاز في عدة دول شملت مصر وسوريا والولايات المتحدة الأمريكية، ليرفد الساحة الفنية السودانية بخبرات أكاديمية وموهبة فطرية جعلت منه اسمًا لا يمكن تجاوزه عند الحديث عن النهضة الثقافية السودانية الحديثة.
النشأة والميلاد في كنف الريادة المسرحية بحي الكبجاب
ولد محمود ميسرة السراج في مدينة أم درمان العريقة، وتحديدًا في حي "الكبجاب" الذي شهد بواكير وعيه الفني، ونشأ السراج في بيئة تشبعت بالفن والريادة، فوالده هو الأستاذ ميسرة السراج، أحد أهم رواد المسرح السوداني ومؤسس أول فرقة تمثيلية في السودان عام 1946، وهو الرجل الذي ينسب إليه الفضل في إدخال المرأة السودانية إلى مجال التمثيل، هذا الإرث العائلي الثقيل دفع محمود للسير على خطى والده منذ وقت مبكر، فكانت أولى مشاركاته المسرحية مع والده عقب تخرجه مباشرة في مسرحية "وفاء" التي عرضت خلال تكريم الدولة للوالد، ومن هنا بدأت رحلة محمود التي لم تكن مجرد تقليد لإرث الأب، بل كانت امتدادًا تطويريًا وتحديثيًا للدراما والموسيقى السودانية.
الحضور السينمائي العالمي من "محطة القطار" إلى "ستموت في العشرين"
لم يتوقف طموح محمود ميسرة السراج عند حدود المحلية، بل امتد ليكون سفيرًا للفن السوداني في السينما العالمية، شارك السراج في الفيلم العالمي "محطة القطار" (Train Station) الذي شارك فيه 40 ممثلًا من جنسيات مختلفة وتم تصويره في 23 بلدًا، حيث جسد الشخصية المحورية في المشاهد التي صورت في السودان، وتوجت مسيرته السينمائية بالمشاركة في بطولة الفيلم العالمي "ستموت في العشرين" للمخرج أمجد أبو العلا، وهو الفيلم الذي حصد جوائز عالمية كبرى ووضع السينما السودانية تحت مجهر الاهتمام الدولي، كما شارك في فيلم "الرضي" الذي نال برونزية أيام قرطاج السينمائية، ليثبت السراج أن الممثل السوداني يمتلك أدوات احترافية تمكنه من الوقوف جنبًا إلى جنب مع كبار النجوم العالميين.
عبقرية التأليف الموسيقي والموسيقى التصويرية في الدراما السودانية
إلى جانب براعته في التمثيل، يعتبر محمود ميسرة السراج واحدًا من أهم مؤلفي الموسيقى التصويرية في السودان، بدأ مسيرته في هذا المجال عام 1993 مع فيلم "ويبقى الأمل"، وتوالت إبداعاته ليضع ألحانه وتوزيعه الموسيقي لعدد كبير من المسرحيات الشهيرة مثل "خالي شغل"، "ديك الحاجة بهانة"، و"بنات في ورطة"، كما وضع البصمة الموسيقية لمسلسلات تلفزيونية خالدة منها "أقمار الضواحي" و"مسلسل نور"، السراج لا يكتفي بالتلحين، بل يبحث في علوم الصوت والمقامات العربية، مما أهله لتأسيس مجموعات موسيقية رائدة مثل "مجموعة سلام الموسيقية" عام 1989، ومساهمته الفعالة في تأسيس كورالات الصيدلة والطب والعلوم، مما جعل الموسيقى في نظره علمًا وفنًا متكاملين.
محمود ميسرة السراج الشاعر والملحن لعمالقة الفن السوداني
لم تكن الموهبة الشعرية بعيدة عن آفاق السراج، فقد كتب الشعر منذ مرحلة مبكرة وفاز في عدة مسابقات، وله ديوانان تحت الطبع هما "البحر والرماد" و"خطوات على الطريق"، هذه الملكة الشعرية مكنته من فهم الكلمة وتطويع اللحن لخدمتها، حيث تغنى بألحانه وقصائده كبار الفنانين السودانيين من مختلف الأجيال، من بينهم الأستاذ شرحبيل أحمد، سيف الجامعة، محمود عبد العزيز، الهادي الجبل، وحنان النيل، وغيرهم من النجوم مثل طه سليمان ومنال بدر الدين، إن قدرة السراج على صياغة ألحان تتناسب مع أصوات متنوعة المشارب تعكس مرونة موسيقية فائقة وقدرة على قراءة أصوات المطربين وتوظيفها في قوالب لحنية مبتكرة تجمع بين الحداثة والأصالة السودانية.
الجوائز والتكريمات.. تتويج لمسيرة العطاء والتميز
حفل السجل الفني لمحمود ميسرة السراج بالعديد من الجوائز المرموقة التي عكست تقديرًا محليًا ودوليًا لموهبته، فقد نال جائزة أفضل موسيقي في مهرجان السودان الوطني عام 2018، كما حصل على جائزة أفضل ممثل في مهرجان البقعة الدولي للمسرح عن دوره المتميز في مسرحية "الرقص على الجمر"، هذه الجوائز لم تكن إلا اعترافًا بقدرته على تقديم أداء تمثيلي معقد وموسيقى تصويرية ترفع من قيمة العمل الدرامي، وبفضل هذه الخبرة المتراكمة، تم اختياره عضوًا في لجنة الاختيار بمهرجان السودان للسينما المستقلة، ليساهم برأيه الفني في تقييم واختيار الأعمال السينمائية الواعدة وتوجيه جيل الشباب من السينمائيين السودانيين نحو آفاق الاحتراف والتميز.
رصيد درامي حافل بين المسلسلات التلفزيونية والأفلام المستقلة
على مدار عقود، ظل محمود ميسرة السراج حاضرًا في ذاكرة المشاهد السوداني عبر عشرات الأعمال التلفزيونية والسينمائية، نذكر منها مسلسل "الشاهد والضحية"، فيلم "عبير الأزمنة"، ثلاثية "المشي فوق سطح الماء"، ومسلسل "دماء على البحر"، كما تألق في دراما "حكايات سودانية" وفيلم "كلام الطير"، تميز أداء السراج بالهدوء والعمق والقدرة على تجسيد الشخصيات المركبة، سواء في الأفلام الدرامية أو الأعمال الكوميدية الهادفة، هذا التنوع في الرصيد الدرامي جعله من الممثلين القلائل الذين يحظون باحترام النقاد وحب الجمهور في آن واحد، حيث يرى فيه الكثيرون نموذجًا للفنان المثقف الذي يعي دور الفن في تغيير المجتمع ونقد قضاياه بأسلوب راقٍ ومؤثر.
محمود ميسرة السراج حارس التراث ومجدد الفن السوداني
في الختام، يظل محمود ميسرة السراج نموذجًا فريدًا للفنان الشامل الذي لم يكتفِ بموهبة واحدة، بل صقل مواهبه بالدراسة والبحث والممارسة الطويلة، من حي الكبجاب في أم درمان إلى المهرجانات العالمية، رسم السراج لوحة فنية تعبر عن الهوية السودانية بكل تفاصيلها، سواء من خلال نغمات موسيقاه أو تعابير وجهه على الشاشة أو كلمات قصائده، إن مسيرته التي امتدت من الصيدلة إلى قمة الهرم الفني تؤكد أن الإبداع لا يعرف المستحيل، وأن الفنان الحقيقي هو من يترك بصمة لا تمحى في وجدان شعبه، وسيظل محمود ميسرة السراج مدرسة تلهم الأجيال القادمة في كيفية الموازنة بين الأصالة والمعاصرة في عالم الفن والجمال.
