كريم عبد العزيز.. كيف حافظ "ابن الوز" على عرش النجومية لأكثر من ربع قرن؟
يُعد الفنان كريم عبد العزيز حالة فنية فريدة في تاريخ الفن المصري المعاصر، فهو ليس مجرد ممثل يمتلك ملامح وسيمة مكنته من تصدر الأفيشات في بداياته، بل هو فنان مثقف سينمائيًا بامتياز، نشأ في كواليس الاستديوهات وتربى على يد كبار المبدعين، مما جعله يدرك جيدًا أن الاستمرارية لا تعتمد على الموهبة الفطرية فقط، بل تتطلب ذكاءً حادًا في اختيار الأدوار وقدرة فائقة على التلون مع تغير أذواق الجمهور عبر الأجيال المختلفة التي عاصرها.
منذ ظهوره الأول طفلًا في فيلم "البعض يذهب للمأذون مرتين" وصولًا إلى تربعه على عرش أعلى الإيرادات في تاريخ السينما المصرية، ظل كريم عبد العزيز محافظًا على بريقه الخاص، مبتعدًا عن صراعات "التريند" الزائفة، ومستثمرًا في رصيد الحب والاحترام الذي بناه مع المشاهد العربي الذي يرى فيه الأخ والابن والصديق المخلص.
النشأة الأكاديمية والبصمة الإخراجية في تكوين الممثل
لم يدخل كريم عبد العزيز عالم الفن من باب الهواية فقط، بل صقل موهبته بالدراسة الأكاديمية في المعهد العالي للسينما قسم الإخراج، وهو الأمر الذي منحه رؤية شاملة للعمل الفني لا تقتصر على حدود الدور الذي يؤديه، بل تمتد لتشمل زوايا التصوير وحركة الكاميرا وتفاصيل المونتاج، مما جعل مخرجي السينما يفضلون العمل معه لسلاسته وفهمه العميق للغة السينمائية.
تأثره بوالده المخرج الكبير محمد عبد العزيز منحه الانضباط الفني منذ الصغر، لكنه استطاع بذكاء شديد أن يخرج من جلباب والده ليصنع لنفسه شخصية مستقلة، بدأت ملامحها تتبلور بوضوح عندما اختاره المخرج الكبير شريف عرفة للوقوف أمام الراحل أحمد زكي في فيلم "اضحك الصورة تطلع حلوة"، حيث قدم أداءً لافتًا أعلن من خلاله عن ولادة نجم جديد يمتلك كاريزما طاغية وحضورًا لا يخطئه عين المشاهد.
التحول من سينما الشباب إلى أفلام "البلوك باستر" العالمية
عاش كريم عبد العزيز مرحلة سينما الشباب في مطلع الألفية بذكاء، حيث قدم أعمالًا كوميدية ورومانسية ناجحة مثل "عبود على الحدود" و"الناظر"، ثم انطلق في البطولة المطلقة من خلال أفلام مثل "حرامية في كي جي تو" و"حرامية في تايلاند"، وهي الأعمال التي ثبتت أقدامه كواحد من أهم نجوم الكوميديا الراقية التي تعتمد على الموقف لا الابتذال.
ومع نضجه الفني، قرر كريم تغيير جلده تمامًا والاتجاه نحو سينما الأكشن والدراما النفسية المعقدة، فكان فيلم "أبو علي" و"واحد من الناس" بمثابة نقطة تحول كبرى، حيث أثبت قدرته على تقديم أدوار المطاردات والدراما الإنسانية بعمق شديد، وصولًا إلى تعاونه التاريخي مع المخرج مروان حامد في سلسلة "الفيل الأزرق"، التي نقلت السينما المصرية إلى منطقة تقنية وفنية جديدة تمامًا، وحققت أرقامًا قياسية في شباك التذاكر لم تكن معهودة من قبل.
التميز الدرامي والرهان على الجودة في "الحشاشين" و"الاختيار"
لم تقتصر نجومية كريم عبد العزيز على الشاشة الكبيرة فقط، بل امتدت لتشمل الشاشة الصغيرة التي يتعامل معها بحذر شديد، حيث يرفض التواجد السنوي لمجرد الظهور، ويفضل المراهنة على الأعمال التي تحمل قيمة وطنية أو تاريخية أو فنية ثقيلة. برز ذلك بوضوح في مسلسل "الاختيار" بموسميه، حيث قدم شخصية ضابط الأمن الوطني ببراعة وهدوء، مبتعدًا عن الانفعالات الزائدة، مما عزز من مصداقية العمل لدى الجمهور.
وفي عام 2024، فاجأ كريم عبد العزيز العالم العربي بتقديم شخصية "حسن الصباح" في مسلسل "الحشاشين"، وهو العمل الذي يعتبر الأضخم إنتاجًا في تاريخ الدراما العربية، حيث استطاع تقمص شخصية تاريخية معقدة تتسم بالدهاء والغموض والقوة، مثبتًا أن قدراته التمثيلية وصلت إلى مرحلة من النضج تسمح له بتجسيد أصعب الشخصيات الإنسانية وأكثرها جدلًا.
فلسفة النجاح والسر وراء تصدره شباك التذاكر دائمًا
إذا بحثنا عن السر وراء استمرار كريم عبد العزيز كأحد أكثر النجوم تحقيقًا للإيرادات، سنجد أن "المصداقية" هي المفتاح الأساسي، فهو فنان يحترم عقلية المشاهد ويحرص على تقديم "وجبة سينمائية" متكاملة الأركان من حيث القصة، الإخراج، والتمثيل.
كما يتميز كريم بقدرته الفريدة على الجمع بين الكوميديا والأكشن في عمل واحد دون خلل، وهو ما ظهر في فيلمه الأخير "بيت الروبي" الذي كسر كافة الأرقام القياسية السابقة، حيث ناقش قضية اجتماعية معاصرة بأسلوب لايت كوميدي لمس قلوب ملايين العائلات المصرية والعربية. إن بقاء كريم عبد العزيز على القمة لسنوات طويلة يعود أيضًا إلى ابتعاده التام عن المهاترات الإعلامية وتركيزه الكامل في تطوير أدواته، مما جعله "براند" موثوقًا به، فعندما يوضع اسم كريم عبد العزيز على فيلم، يدرك الجمهور تلقائيًا أنهم أمام عمل فني يستحق المشاهدة والتقدير.
