أرقام وإنجازات.. لماذا يعد إكرامي الشحات الحارس الأكثر تأثيرًا في تاريخ القلعة الحمراء؟

إكرامي الشحات
إكرامي الشحات

يظل اسم الكابتن إكرامي أحمد الشحات، أو كما تلقبه جماهير الكرة المصرية بـ "وحش إفريقيا"، محفورًا بحروف من ذهب في ذاكرة الرياضة العربية والإفريقية، فهو ليس مجرد حارس مرمى عابر، بل هو مدرسة قائمة بذاتها في فنون حراسة المارين وتوجيه المدافعين. ولد إكرامي في مدينة السويس الباسلة في 26 أكتوبر عام 1955، ونشأ على حب التحدي والإصرار الذي استلهمه من صمود مدينته، لينضم إلى ناشئي النادي الأهلي في عام 1969، ليبدأ رحلة من العطاء لم تنقطع لسنوات طويلة. فبعد أقل من عامين فقط من انضمامه، تم تصعيده للفريق الأول في عام 1971، ليشارك في أول مباراة ودية أمام فريق السويس، وهي المباراة التي فاز بها الأهلي بخماسية مقابل هدف، وكانت بمثابة شهادة ميلاد لحارس سيهيمن على منطقة الجزاء لقرابة عقدين من الزمان، متجاوزًا كافة التحديات والصعوبات التي واجهت الكرة المصرية في تلك الفترة التاريخية.

ولم تكن البداية الرسمية لوحش إفريقيا مفروشة بالورود، بل كانت اختبارًا قاسيًا لإرادته، حيث تولى حراسة عرين الأهلي في أول مباراة رسمية أمام الاتحاد السكندري في موسم 1972/1973، وانتهت بهزيمة الأهلي بهدف نظيف على ملعبه، وهي اللحظة التي تنبأ فيها الكثيرون بنهاية مبكرة لهذا الشاب الصاعد. إلا أن رؤية الكابتن عبده صالح الوحش كانت مختلفة، حيث آمن بموهبته وطالب ببقائه ومنحه الفرصة كاملة في المباراة التالية أمام الإسماعيلي، لينجح إكرامي في الحفاظ على نظافة شباكه ويفوز الأهلي بهدف نظيف، لتكون هذه المباراة هي الانطلاقة الحقيقية التي جعلته يشارك في أكثر من 300 مباراة رسمية بقميص النادي الأهلي، محطمًا بذلك الرقم القياسي التاريخي الذي كان يحتفظ به الحارس العملاق عادل هيكل، وليصبح إكرامي واحدًا من أكثر حراس المرمى مشاركة واستمرارية في تاريخ القلعة الحمراء.

بطولات وإنجازات: 18 عامًا من التربع على عرش البطولات المحلية والقارية

أمضى إكرامي الشحات مع النادي الأهلي أكثر من 18 عامًا متواصلة، وهي الفترة التي شهدت سيطرة حمراء مطلقة على منصات التتويج، حيث ساهم الوحش في الفوز ببطولة الدوري العام 10 مرات، وبطولة كأس مصر 5 مرات. ولم يكتفِ بالتألق المحلي، بل كان السد المنيع الذي قاد الأهلي لاكتساح القارة السمراء، حيث توج ببطولة إفريقيا للأندية أبطال الكأس 3 مرات، وبطولة دوري أبطال إفريقيا مرة واحدة. هذا السجل الحافل جعل من إكرامي رمزًا للأمان لدى الجماهير الأهلاوية، حيث كان يمثل القائد الذي يمنح الثقة لزملائه، مما دفع إدارة النادي والمنتخب الوطني للاعتماد عليه كخيار أول لسنوات طويلة، نظرًا لتمتعه برد فعل سريع وقدرة فائقة على التعامل مع الكرات العرضية والانفرادات، مما جعله يستحق لقب "وحش إفريقيا" عن جدارة واستحقاق.

المشوار الدولي: إكرامي الشحات بقميص منتخب مصر في المحافل العالمية

على الصعيد الدولي، نال إكرامي شرف تمثيل منتخب مصر في 50 مباراة دولية، قدم خلالها مستويات مبهرة رفعت اسم مصر عاليًا في المحافل الكروية. وكانت أبرز نتائج إكرامي مع الفراعنة هي الفوز بكأس فلسطين في تونس عام 1975، بالإضافة إلى مساهمته الفعالة في صعود المنتخب الوطني إلى نهائيات دورتي الألعاب الأوليمبية في موسكو عام 1980 ولوس أنجلوس عام 1984. ورغم اعتزاله اللعب دوليًا في نهاية عام 1989، إلا أن بصمته مع المنتخب ظلت حاضرة، حيث كان دائمًا النموذج الذي يُحتذى به في الالتزام والوطنية، وظل يدافع عن عرين الفراعنة في أصعب الظروف، محققًا توازنًا نادرًا بين النجاح مع النادي والتميز مع المنتخب، وهو ما جعله واحدًا من أساطير الحراسة المصرية عبر التاريخ.

مدرسة "الوحش" لتدريب الحراس: تخريج أساطير من شوبير إلى الحضري

بعد اعتزاله اللعب، لم يبتعد إكرامي عن معشوقته كرة القدم، بل انتقل إلى مقعد المدرب لينقل خبراته العريضة للأجيال الصاعدة. تولى إكرامي الإشراف على تدريب حراس المرمى بالنادي الأهلي، وكان له الفضل الأول في صقل مواهب كبار حراس المرمى في مصر وإفريقيا، أمثال أحمد شوبير، وعصام الحضري، وأمير عبد الحميد. وتحت إشرافه، فاز الأهلي بالعديد من البطولات المحلية والقارية والعربية، وشهدت تلك الفترة تحقيق النادي الأهلي لرقم قياسي بالفوز ببطولة الدوري العام سبع مرات متتالية، وهو الرقم الذي يظل صامدًا حتى يومنا هذا كشاهد على كفاءة مدرسة إكرامي التدريبية. ويشغل إكرامي حاليًا منصب مدرب حراس المرمى بقطاع الناشئين بالنادي الأهلي، مواصلًا رحلة العطاء في اكتشاف "وحوش" جدد يحمون عرين القلعة الحمراء في المستقبل.

تجربة إكرامي السينمائية: النجم الذي خطف الأضواء في "يا رب ولد"

لم تقتصر نجومية إكرامي الشحات على المستطيل الأخضر فحسب، بل امتدت لتشمل الشاشة الفضية، حيث خاض تجارب سينمائية ناجحة في الثمانينات جعلت منه وجهًا مألوفًا ومحبوبًا لدى جمهور السينما. تميز إكرامي في أداء شخصية لاعب كرة القدم، وأحيانًا ظهر بشخصيته الحقيقية، ومن أشهر أعماله فيلم "رجل فقد عقله" عام 1980 مع الفنان عادل إمام، وفيلم "مرسي فوق مرسي تحت" عام 1981، والفيلم الكوميدي الشهير "يا رب ولد" عام 1984، بالإضافة إلى فيلم "إحنا بتوع الإسعاف". هذه التجارب السينمائية لم تكن مجرد تمثيل، بل كانت تعبيرًا عن الكاريزما العالية التي يتمتع بها إكرامي، والتي جعلته واحدًا من القلائل الذين نجحوا في الجمع بين النجومية الرياضية والقبول الفني الواسع لدى الشعب المصري.

العائلة الكروية: إرث إكرامي الممتد عبر أحمد وشريف إكرامي

يعتبر الكابتن إكرامي الشحات هو المؤسس لعائلة كروية عريقة، حيث سار أبناؤه على خطاه في حراسة المرمى. فهو والد الراحل أحمد إكرامي، حارس مرمى الأهلي السابق وبطل إفريقيا للناشئين عام 1997، والذي توفي في سن مبكرة عام 2006 تاركًا أثرًا حزينًا في قلوب الجميع. كما أنه والد الكابتن شريف إكرامي، حارس مرمى نادي بيراميدز والنادي الأهلي ومنتخب مصر السابق، والذي خاض رحلة احترافية في نادي فيينورد الهولندي. هذا الإرث العائلي يؤكد أن حراسة المرمى في عائلة إكرامي هي موهبة متوارثة وجينات من التألق، حيث ظل اسم "إكرامي" مرتبطًا بالأمان والقفاز الذهبي في الملاعب المصرية لأكثر من نصف قرن، مما يعزز من قيمة وتاريخ "الوحش" كأب ومعلم وأسطورة رياضية خالدة.

إن مسيرة إكرامي الشحات هي قصة ملهمة تتجاوز حدود كرة القدم، فهي قصة عن الصبر بعد الهزيمة، والوفاء لنادٍ واحد، والقدرة على تجديد الذات من لاعب إلى مدرب إلى نجم سينمائي. سيظل "وحش إفريقيا" هو الرقم الصعب في تاريخ حراسة المرمى المصرية، والنموذج الذي يتطلع إليه كل ناشئ يرتدي قفازات الحراسة في ملاعب النادي الأهلي. إن عطاء إكرامي الذي بدأ في عام 1969 ولا يزال مستمرًا حتى عام 2026 في قطاع الناشئين، هو أطول ملحمة حب وانتماء في تاريخ الرياضة المصرية، وستبقى ذكراه وإنجازاته منارة تضيء الطريق للأجيال القادمة من حراس العرين في مصر وإفريقيا.