صراع الفن والدين: كيف أثرت الضغوط النفسية على حياة أمل حجازي؟

أمل حجازي
أمل حجازي

عادت الفنانة اللبنانية أمل حجازي لتصدر المشهد الإعلامي من جديد، ولكن هذه المرة بجرأة غير مسبوقة وصراحة أثارت عاصفة من الجدل عبر منصات التواصل الاجتماعي.

 ففي أول لقاء تلفزيوني مطول لها بعد سنوات من الغياب والاعتزال الجزئي، حلت أمل ضيفة على الإعلامي نيشان، لتكشف عن تحولات جذرية في قناعاتها الفكرية والدينية، مستعرضة محطات قاسية ومؤلمة مرت بها في حياتها الشخصية، كان من أبرزها معركتها الصامتة مع مرض السرطان. 

هذا الظهور لم يكن مجرد عودة فنية، بل كان بمثابة "بيان استقلال" فكري، حيث تحدثت أمل عن موقفها النهائي من الحجاب، مؤكدة أن قرارها بخلعه وعدم العودة إليه مجددًا هو قرار نابع من قناعة عميقة وتجربة روحانية فريدة جعلتها تعيد النظر في الممارسات الدينية السائدة وتفرق بين "جوهر الإيمان" وبين "المظاهر الخارجية".

وأكدت أمل حجازي خلال اللقاء أن الحجاب بالنسبة لها لم يعد يمثل فريضة دينية يُحاسب عليها الإنسان، بل اعتبرته جزءًا من أعراف اجتماعية وزي سائد ارتبط بفترات زمنية معينة. 

وشددت بلهجة حاسمة: «لست داعية، ومن المستحيل أن أعود إلى ارتداء الحجاب»، موضحة أنها وصلت إلى مرحلة من النضج الروحي جعلتها توقن بأن الإيمان الحقيقي يكمن في القلب والعلاقة المباشرة مع الخالق، وليس في قطعة قماش تغطي الرأس. هذه التصريحات الجريئة تعكس حجم التحول النفسي الذي عاشته الفنانة اللبنانية، والتي انتقلت من مرحلة الالتزام التام بالزي الديني وتقديم الأناشيد الدينية، إلى مرحلة التحرر من القيود الشكلية، مؤكدة أنها مستعدة تمامًا لتحمل كافة التبعات والضغوط التي قد تفرضها عليها البيئات الاجتماعية المختلفة نتيجة هذا الرأي الشخصي.

صراع الفن والدين: كيف أثرت الضغوط النفسية على حياة أمل حجازي؟

تطرقت أمل حجازي بصدق كبير إلى المرحلة التي ارتدت فيها الحجاب سابقًا، مؤكدة أن تلك الخطوة لم تكن نتيجة ضغط من أي جهة، بل جاءت بدافع ذاتي بحت في إطار بحثها المستمر عن السلام الداخلي والتقرب من الله. 

ومع ذلك، كشفت الفنانة اللبنانية عن "الثمن الباهظ" الذي دفعته خلال تلك الفترة؛ حيث دخلت في صراع نفسي حاد ومزمن بين هويتها كفنانة وبين الالتزامات الدينية التي فرضتها على نفسها. هذا الصراع، حسب وصفها، ترك أثرًا سلبيًا عميقًا على حالتها النفسية، وجعلها تعيش حالة من التشتت بين القناعة والشك، لدرجة أنها شعرت بأنها "كبرت قبل أوانها" وفقدت بريق العفوية والحياة بسبب القيود الذهنية التي أحاطت بها، مما أدى في النهاية إلى اتخاذ قرارها بالتحرر للوصول إلى توازن نفسي أعمق.

وأوضحت حجازي أن خلع الحجاب لا يعني بأي حال من الأحوال التخلي عن الإيمان أو الابتعاد عن الله، بل هو إعادة ترتيب للأولويات الروحية. وقالت بكلمات مؤثرة: «خلعت قطعة قماش لا تمثل بالنسبة لي جوهر الإيمان، وقد لا يعني ذلك الشيء نفسه لغيري، لكنه لم يغير شيئًا في علاقتي بالله». هذا التصريح يفتح الباب للنقاش حول مفهوم الروحانية الفردية بعيدًا عن القوالب الجاهزة التي يفرضها المجتمع. أمل ترى أن علاقتها بالخالق أصبحت الآن أكثر نقاءً ووضوحًا بعد أن تخلصت من التناقض الداخلي الذي كان يمزقها، مشيرة إلى أن الإيمان هو رحلة بحث مستمرة، وأنها اليوم تعيش بسلام أكبر مع نفسها ومع ربها، بعيدًا عن التظاهر بمظاهر قد لا تعبر عن حقيقتها الداخلية الحالية.

"حجابك تاج": أمل حجازي تشطب أغنيتها الشهيرة من سجلها الفني

في خطوة فاجأت الكثيرين، أعلنت أمل حجازي تبرؤها الكامل من أغنيتها الشهيرة «حجابك تاج»، والتي كانت قد طرحتها إبان فترة ارتدائها للحجاب وحققت انتشارًا واسعًا آنذاك. 

وصرحت أمل بجرأة: «جلّ من لا يخطئ، واليوم لم أعد أتبنى هذه الفكرة إطلاقًا»، مؤكدة أنها قررت شطب هذه الأغنية من سجلها الفني ومسيرتها، لأنها لم تعد تعبر عن قناعاتها الحالية. وترى أمل الآن أن جمال المرأة وقيمتها لا يرتبطان بوجود الحجاب من عدمه، وأن غطاء الرأس ليس "تاجًا" كما صورت في أغنيتها السابقة، بل هو خيار شخصي لا ينبغي تعميمه أو منحه قدسية تتجاوز قيم الإنسانية والجوهر الإيماني.

هذا المراجعة الذاتية لأعمالها الفنية السابقة تعكس مدى الشفافية التي تتعامل بها أمل مع جمهورها، فهي لا تخجل من الاعتراف بتغير أفكارها وتطور وعيها. 

وأشارت إلى أن نظرة المجتمع للمرأة المحجبة تختلف جذريًا من بلد إلى آخر، وأنها باتت تدرك أن الأعراف والتقاليد هي التي تفرض في الغالب شكل اللباس، وليس الجوهر الديني الخالص. ومن خلال شطب هذه الأغنية، ترسل أمل رسالة واضحة بأنها لن تسمح لماضيها الفني أو قراراتها السابقة بأن تقيد حاضرها، وأنها تملك الشجاعة الكافية لتصحيح ما تراه اليوم خطأً، حتى لو كان ذلك العمل قد نال استحسان الملايين في وقت سابق.

المحنة الكبرى: أمل حجازي تروي محطات قاسية في مواجهة السرطان

بعيدًا عن الجدل الديني، توقفت أمل حجازي عند محطة هي الأكثر إيلامًا في حياتها، وهي إصابتها بمرض السرطان. تحدثت أمل عن هذه التجربة بوصفها "اختبارًا للإرادة"، حيث واجهت المرض الخبيث بصبر وصمود، مشيرة إلى أن المرض جعلها تنظر للحياة بمنظور مختلف تمامًا. إن مواجهة الموت والوهن الجسدي ساهمت بشكل كبير في بلورة رؤيتها الروحانية الحالية؛ فالإنسان في لحظات المرض الشديد لا يبحث عن المظاهر، بل يبحث عن القوة الكامنة في الإيمان الصادق والسكينة النفسية. هذه المحنة القاسية كانت بمثابة "مخاض" ولدت منه أمل حجازي الجديدة، الأكثر تصالحًا مع ذاتها والأكثر جرأة في التعبير عن أفكارها دون خوف من أحكام الآخرين.

ختامًا، تمثل تصريحات أمل حجازي مع نيشان تحولًا دراميًا في مسيرة نجمة لطالما كانت محط أنظار الجمهور. وبين مرض السرطان، وخلع الحجاب، والصراع بين الفن والدين، ترسم أمل خارطة طريق لامرأة قررت أن تعيش بصدق مع قناعاتها مهما كلفها الثمن.

 إن رحلتها من أغاني "رومانسية" إلى "أناشيد دينية" وصولًا إلى "الروحانية الحرة" تعكس تعقيدات النفس البشرية في بحثها عن الحقيقة. وسواء اتفق الجمهور مع آرائها أو اختلف، تبقى أمل حجازي نموذجًا للفنانة التي ترفض الصمت، وتصر على أن تكون "الإنسانة" أولًا، بعيدًا عن الألقاب والقوالب الجاهزة، بانتظار ما ستسفر عنه الأيام القادمة من خطوات فنية أو إنسانية جديدة في حياتها.