لماذا يترقب علماء الفلك عام 2026؟ كسوفان للشمس وأحداث كونية نادرة

كسوف الشمس
كسوف الشمس

يستعد عشاق الفلك وهواة رصد السماء حول العالم لاستقبال عام 2026، الذي يحمل في طياته مفاجآت فلكية مثيرة وأحداثًا كونية نادرة تجذب اهتمام العلماء والهواة على حد سواء. ومن المتوقع أن يشهد هذا العام حدوث كسوفين بارزين للشمس، يمثلان فرصة ذهبية لدراسة التفاعلات الفيزيائية للغلاف الشمسي ومراقبة سلوك الضوء أثناء الحجب.

 إن ظاهرة كسوف الشمس ليست مجرد مشهد جمالي في السماء، بل هي مختبر طبيعي مفتوح يتيح للبشرية فهم أسرار الكون وتطوير الثقافة العلمية بين الأجيال الجديدة. 

ومع اقتراب هذه المواعيد، تبدأ المراصد العالمية في تجهيز أجهزتها المتطورة لرصد هذه اللحظات التي لا تتكرر كثيرًا، حيث يترقب الجميع كيفية تأثير هذه الظواهر على الغلاف الجوي للأرض وسلوك الكائنات الحية، مما يجعل من عام 2026 عامًا استثنائيًا في أجندة علوم الفضاء والطبيعة، خاصة مع دقة الحسابات الفلكية التي تحدد مسارات ظل القمر فوق سطح الأرض ومناطق الرؤية المثالية لكل حدث.

الكسوف الحلقي في فبراير 2026.. "حلقة النار" تزين القارة القطبية

يبدأ العام بأول هذه الأحداث الكبرى في 17 فبراير 2026 (وفق الحسابات الفلكية الدقيقة المحدثة)، حيث يشهد العالم كسوفًا شمسيًا من النوع الحلقي، وهو الحدث الذي يُطلق عليه العلماء "حلقة النار" نظرًا للمشهد الفريد الذي يظهر فيه القمر محاطًا بإطار مضيء من قرص الشمس.

 يحدث هذا النوع من الكسوف عندما يمر القمر أمام الشمس في وقت يكون فيه في أبعد نقطة له عن الأرض، مما يجعل قطره الظاهري أصغر من أن يغطي قرص الشمس بالكامل، فيبقى ما يشبه الحلقة المضيئة حول القمر. وتستمر هذه الظاهرة حوالي دقيقتين و20 ثانية، وهي فترة رغم قصرها، إلا أنها ذات قيمة علمية هائلة لدراسة طبقات الغلاف الشمسي وتأثير حجب جزء كبير من الضوء على حرارة الغلاف الجوي.

 ومع ذلك، لن يكون هذا الكسوف مرئيًا في مصر أو معظم دول الشرق الأوسط، إذ يقتصر مسار الكسوف الحلقي على مناطق نائية تشمل بعض المراصد ومحطات الأبحاث في القارة القطبية الجنوبية، مثل محطة كونكورديا ومحطة ميرني الروسية، مما يجعله حدثًا ذا طابع علمي بحثي يتابعه العالم عبر البث المباشر والتقارير الصادرة عن البعثات الاستكشافية.

الكسوف الكلي في أغسطس 2026.. أطول فترة ظلام في سماء أوروبا

أما الحدث الأكثر إثارة وترقبًا فسيكون الكسوف الثاني لعام 2026، والذي سيحدث يوم 12 أغسطس، وسيكون كسوفًا كليًا للشمس، وهو النوع الذي يغطي فيه القمر قرص الشمس بالكامل، مما يحول النهار إلى ظلام دامس لبضع دقائق في مشهد مهيب. 

يمنح هذا الكسوف العلماء فرصة نادرة لمراقبة "الهالة الشمسية" (Corona)، وهي الطبقة الخارجية للغلاف الجوي للشمس التي لا يمكن رؤيتها بالعين المجردة إلا خلال الكسوف الكلي. وتصل مدة الكسوف الكلي في ذروته إلى حوالي دقيقتين و18 ثانية، ويشمل مسار الكسوف مناطق محددة تبدأ من القطب الشمالي وتمر عبر شرق جرينلاند وغرب آيسلندا وصولًا إلى شمال إسبانيا وجزر البليار. 

وفي حين ستشهد أجزاء واسعة من أوروبا وإفريقيا كسوفًا جزئيًا عميقًا بنسب متفاوتة، فإن الأنظار تتجه صوب إسبانيا وآيسلندا اللتين ستكونان وجهة رئيسية للسياحة الفلكية في صيف 2026، حيث يتدفق الآلاف من الباحثين والمصورين لتوثيق هذه اللحظات التاريخية التي نادرًا ما تمر فوق مناطق مأهولة بالسكان في القارة الأوروبية.

متى يحدث كسوف الشمس 2026 في مصر والدول العربية؟

يثور التساؤل دائمًا لدى الجمهور العربي حول نصيب المنطقة من هذه الظواهر، وبالنظر إلى خريطة مسارات الكسوف لعام 2026، نجد أن مصر والدول العربية لن تشهد "الكسوف الكلي" أو "الحلقي" بشكل مباشر في هذين الموعدين، حيث يمر مسار الظل بعيدًا عن المنطقة العربية. 

ومع ذلك، يمكن لسكان دول المغرب العربي ومصر والسودان رؤية كسوف جزئي بنسب ضئيلة جدًا في أطراف بعض المناطق خلال كسوف أغسطس 2026، لكنه لن يكون مشهودًا بالوضوح الكافي مثل المناطق الواقعة في شمال وغرب أوروبا. 

وتؤكد الجمعيات الفلكية العربية أن الفرصة الكبرى والحقيقية لمصر والدول العربية ستكون في "الكسوف التاريخي" الذي سيحدث في 2 أغسطس 2027، حيث سيمر مسار الكسوف الكلي فوق مدينة الأقصر وأسوان في مصر، وهو الحدث الذي يُنتظر أن يكون الأطول والأكثر إبهارًا في القرن الحالي. ولذلك، يعتبر عام 2026 بمثابة "البروفة النهائية" والتمهيد الفلكي للحدث الأكبر الذي سيجذب أنظار العالم صوب وادي النيل في العام الذي يليه.

أهمية الرصد العلمي وتطوير الثقافة الفلكية بين الجمهور

لا تقتصر أهمية ظواهر الكسوف على الجانب البصري فقط، بل تمتد لتشمل تعزيز الوعي العلمي وتشجيع الاهتمام بعلوم الفضاء والفيزياء بين الشباب والطلاب. 

إن مراقبة عجائب الكون مثل كسوف الشمس تساهم في تبسيط المفاهيم العلمية المعقدة حول حركة الأجرام السماوية والجاذبية وطبيعة الضوء. ويشدد المتخصصون على ضرورة اتباع تعليمات السلامة عند رصد الكسوف، من خلال استخدام النظارات الفلكية المخصصة التي تحمي العين من الأشعة فوق البنفسجية الضارة، والابتعاد عن استخدام الوسائل التقليدية غير الآمنة. إن كل كسوف يحدث هو فرصة لاكتشاف أسرار جديدة عن الشمس، النجم الذي يمنحنا الحياة، وفهم كيفية تأثير نشاطه على تكنولوجيا الاتصالات والأقمار الصناعية فوق الأرض. 

ومع توفر التقنيات الحديثة، أصبح بإمكان الجميع المشاركة في هذا الحدث من خلال متابعة التغطيات الحية للمراصد العالمية، مما يحول الظاهرة الفلكية إلى تجربة تعليمية عالمية عابرة للحدود تذكرنا دومًا بمكانة الأرض المتناهية في الصغر وسط هذا الكون الشاسع والمنظم.