بعد حصولها على الدكتوراه الفخرية.. نبيلة عبيد أيقونة الدفاع عن المرأة في السينما
تحتفل الأوساط الفنية والجمهور العربي هذه الأيام بالذكرى السعيدة لعيد ميلاد أيقونة السينما المصرية، الفنانة القديرة نبيلة عبيد، التي لم تكن مجرد ممثلة عابرة، بل كانت وما زالت رقمًا صعبًا في تاريخ الإبداع العربي.
ولدت نبيلة في حي شبرا العريق بالقاهرة، ذلك الحي الذي شهد بزوغ فجر موهبتها الفطرية، حيث نشأت على حب التمثيل منذ طفولتها الباكرة، وكانت تتردد بشغف على "سينما بالاس" القريبة من منزلها، لتراقب بطلات الشاشة الفضية وتحلم باليوم الذي ستعتلي فيه منصات النجومية، وهو الحلم الذي حققته ببراعة لتصبح "نجمة مصر الأولى" بلا منازع.
البدايات والاكتشاف.. من "مافيش تفاهم" إلى خلود "رابعة العدوية"
بدأت الحكاية حين اكتشف المخرج الكبير عاطف سالم تلك الموهبة الكامنة في ملامح الشابة النبيلة، وقدمها لأول مرة في دور صغير بفيلم "مافيش تفاهم"، لتخطو أولى خطواتها الاحترافية. لكن نقطة التحول الكبرى والانطلاقة الحقيقية جاءت على يد المخرج نيازي مصطفى، الذي راهن عليها في أول بطولة مطلقة لها من خلال فيلم "رابعة العدوية".
هذا الدور لم يكن مجرد بداية، بل كان إعلانًا عن ولادة نجمة تمتلك قدرات أدائية معقدة، حيث جسدت شخصية الزاهدة والمتصوفة ببراعة جعلت اسمها يتردد في كافة المحافل، لتبدأ بعدها رحلة الصعود الصاروخي نحو قمة الهرم السينمائي.
ذروة النجومية.. نبيلة عبيد وصناعة "نجمة مصر الأولى"
شهدت الفترة من منتصف السبعينيات وحتى نهاية التسعينيات ذروة النجومية المطلقة لنبيلة عبيد، وهي الحقبة التي صاغت فيها شكل السينما المصرية الحديثة. خلال هذه المرحلة، تعاونت نبيلة مع كبار الأدباء والكتاب، وعلى رأسهم المبدع إحسان عبد القدوس والأديب العالمي نجيب محفوظ، مما منح أعمالها ثقلًا فكريًا وفلسفيًا. قدمت أفلامًا نالت عنها جوائز محلية وعالمية، منها "وسقطت في بحر العسل"، و"ولا يزال التحقيق مستمرًا" الذي حصلت عنه على جائزة أفضل ممثلة في مهرجان الإسكندرية السينمائي، بالإضافة إلى فيلم "أيام في الحلال"، لتكرس مكانتها كواحدة من أكثر النجمات حصدًا للإعجاب النقدي والجماهيري في آن واحد.
تنوع الأدوار والدفاع عن قضايا المرأة في سينما نبيلة عبيد
ما يميز مسيرة نبيلة عبيد هو ذلك التنوع المذهل في تقمص الشخصيات، فقد جسدت دور الأم، والابنة، والمدرسة، والزوجة، وسيدة الأعمال، والشرطية، والراقصة.
ولم تكن تختار أدوارها لمجرد التواجد، بل كانت تحرص على تقديم قضايا إنسانية ونسوية شائكة. ويظل دور الأم في فيلم "العذراء والشعر الأبيض" واحدًا من أبرز وأهم أدوار الأمومة في تاريخ السينما المصرية، حيث قدمت معاناة الحرمان من الإنجاب والمشاعر المتناقضة بصدق هز مشاعر الملايين. كما برزت في أفلام تعري الفساد السياسي والاجتماعي مثل "التخشيبة"، "الراقصة والسياسي"، و"كشف المستور"، وهي الأعمال التي جعلت منها صوتًا قويًا يعبر عن هموم الشارع.
الرصيد السينمائي الحافل.. أفلام شكلت وجدان المشاهد العربي
يضم رصيد نبيلة عبيد الفني عشرات الأفلام التي تصدرت شباك التذاكر وحققت إيرادات خيالية، مما جعل المنتجين يتسابقون للتعاقد معها. في بداياتها شاركت في أفلام مثل "كنوز"، "الأصدقاء الثلاثة"، و"زوجة غيورة جدًا". ومع نضجها الفني، قدمت أعمالًا أصبحت من كلاسيكيات السينما مثل "الشيطان يعظ"، "الرقاصة والطبال"، و"شادر السمك".
كما لا يمكن نسيان أدوارها في "المرأة والساطور" الذي أثار جدلًا واسعًا عند عرضه، و"توت توت"، و"أرجوك أعطني هذا الدواء". هذا الرصيد الضخم جعلها تستحق لقب "نجمة الشباك" التي لا تغيب عنها الشمس، حيث استطاعت الحفاظ على مكانتها كبطلة مطلقة لأكثر من ثلاثة عقود متتالية.
الدراما والمسرح.. وجوه أخرى لنجمة مصر الأولى
لم يقتصر إبداع نبيلة عبيد على الشاشة الكبيرة، بل امتد ليشمل الدراما التليفزيونية التي دخلت من خلالها كل بيت مصري وعربي. قدمت مسلسلات علقت في أذهان الجمهور مثل "مفتش المباحث"، "العصابة"، و"العمة نور" الذي حقق نجاحًا كبيرًا، وصولًا إلى تعاونها الكوميدي في "سكر زيادة".
أما في المسرح، فرغم قلة أعمالها المسرحية، إلا أنها تركت بصمة واضحة في تجربتين هما "الطرطور" و"روبابيكيا"، حيث أثبتت أن الوقوف على خشبة المسرح يتطلب نوعًا خاصًا من الكاريزما التي تمتلكها نبيلة بالفطرة.
التكريمات والدكتوراه الفخرية.. اعتراف دولي بمجمل الإنجازات
تقديرًا لعطائها الفني الممتد ومساهماتها في إثراء الثقافة العربية، حصلت نبيلة عبيد على الدكتوراه الفخرية من جامعة ويلز، وهو تكريم أكاديمي رفيع يعكس قيمة أعمالها. ولم تكتفِ بالجانب الفني فقط، بل تقلدت عدة مناصب شرفية، منها عضوية لجنة تحكيم جائزة الجامعة المصرية اليابانية للعلوم والتكنولوجيا، كما ترأست لجنة تحكيم برنامج "نجمة العرب" الذي كان يهدف لاكتشاف مواهب شابة تسير على نهجها، مما يوضح حرصها على نقل خبراتها للأجيال الجديدة وإيمانها بضرورة استمرار الريادة الفنية المصرية.
رسالة نبيلة عبيد في عيد ميلادها.. الفن باقٍ والجمهور هو السند
في كل مناسبة، تحرص الفنانة نبيلة عبيد على توجيه رسائل الشكر لجمهورها الذي تعتبره "عائلتها الكبرى" والسر الحقيقي وراء استمرارها ونجاحها.
إن احتفالنا بعيد ميلاد نبيلة عبيد اليوم ليس مجرد احتفال بتاريخ ميلاد، بل هو احتفاء بمسيرة امرأة قوية استطاعت أن تحفر اسمها بحروف من ذهب في تاريخ الفن، وأن تظل "نجمة مصر الأولى" في قلوب المحبين، متجاوزة حدود الزمن والأجيال، لتظل أفلامها مدرسة يتعلم منها كل من يرغب في دخول عالم الفن السابع.
