اتفاق دمشق وقسد 2026: خريطة طريق جديدة لوحدة الأراضي السورية

اتفاق دمشق وقسد يفتح
اتفاق دمشق وقسد يفتح باب تساؤلات أوسع حول مستقبل سوريا

إن اتفاق دمشق وقسد 2026 ليس مجرد ورقة لإنهاء القتال، بل هو إعلان عن نهاية مشروع "الانفصال" أو "الحكم الذاتي المطلق"، والبدء بمرحلة "اللامركزية الإدارية" تحت علم الجمهورية. نجاح هذا الاتفاق مرهون بمدى التزام الأطراف الدولية بعدم التدخل، وقدرة المؤسسات السورية على استيعاب آلاف المقاتلين في صفوفها دون إحداث خلل بنيوي.

إن مشهد توقيع الاتفاق في دمشق يختزل حكاية عقد من الصراع المرير، ويؤكد أن الجغرافيا السورية، رغم كل محاولات التفتيت، تظل وحدة غير قابلة للقسمة في الوجدان السياسي والمصالح الحيوية. 

هذا الاتفاق يمثل "براغماتية" عالية من الطرفين؛ فالدولة السورية استعادت رئتها الاقتصادية (النفط والقمح) دون معركة دموية مكلفة، و"قسد" حمت وجودها كجزء أصيل من النسيج السوري والجيش الوطني بدلًا من أن تتحول إلى قوة معزولة تواجه مصيرًا مجهولًا أمام التهديدات الإقليمية.

إن التحدي الحقيقي الذي سيواجه "سوريا ما بعد الاتفاق" هو بناء الثقة. الثقة بين المواطن في شرق الفرات ومؤسسات الدولة التي غابت عنه طويلًا، والثقة بين المكونات العرقية التي تعرضت لشرخ كبير خلال سنوات الحرب. 

إن الاعتراف بالخصوصية الثقافية الكردية هو حجر الزاوية في عقد اجتماعي جديد، لكنه يحتاج إلى ترجمة قانونية في الدستور المرتقب.

 في النهاية، يبقى هذا التفاهم بارقة أمل لكل السوريين بأن الحل السوري-السوري هو المسار الوحيد المستدام، وأن السيادة ليست مجرد شعار، بل هي قدرة الدولة على إدارة مواردها وحماية حدودها بالشراكة مع جميع أبنائها دون إقصاء أو تهميش.

في خطوة وُصفت بأنها "انعطافة تاريخية" في مسار الأزمة السورية التي دامت لسنوات طويلة، شهدت العاصمة السورية دمشق في الثامن عشر من يناير 2026 توقيع اتفاق شامل بين الحكومة السورية بقيادة الرئيس أحمد الشرع، وقيادة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) ممثلة بالجنرال مظلوم عبدي. 

هذا الاتفاق، الذي جاء بعد جولات شاقة من المفاوضات برعاية مبعوثين دوليين، لا يقتصر فقط على وقف إطلاق النار، بل يمتد ليشمل إعادة رسم الخارطة السياسية والعسكرية في مناطق شرق الفرات، مما يفتح الباب أمام تساؤلات أوسع حول مصير الإدارة الذاتية ومستقبل الوجود الأجنبي في المنطقة.

بنود الاتفاق: سيادة الدولة وموارد الطاقة

يتضمن الاتفاق، الذي كشفت عنه وسائل إعلام رسمية، بنودًا جوهرية تهدف إلى إعادة بسط سلطة الدولة السورية على مناطق جغرافية واسعة كانت خارج سيطرتها منذ عام 2012. 

ومن أبرز هذه البنود:

الدمج العسكري الكامل: 

دمج عناصر "قسد" في هيكلية الجيش السوري (وزارة الدفاع) وقوى الأمن الداخلي (وزارة الداخلية) بناءً على تدقيق أمني وفني، مع منح الرتب العسكرية للمنخرطين الجدد وفق القوانين السورية النافذة.

السيطرة على الموارد: 

تسليم كافة حقول النفط والغاز في محافظتي الحسكة ودير الزور للحكومة السورية، لضمان عودة العائدات إلى الخزينة العامة للدولة وتأمين احتياجات البلاد من الطاقة.

إدارة المعابر الحدودية:

 بسط سيادة الدولة على كافة المنافذ الحدودية مع العراق وتركيا، بما في ذلك معبر "فيش خابور/سيمالكا"، وإخضاعها لإدارة الجمارك والهجرة والجوازات السورية.

الانسحاب والمربعات الأمنية:

 انسحاب الوحدات العسكرية من المدن الكبرى مثل الرقة ودير الزور وتسليمها إداريًا وأمنيًا للحكومة، مع تشكيل لجان محلية للإشراف على شؤون المواطنين.

دوافع الاتفاق وتوقيته الحساس

يأتي هذا التفاهم في توقيت ميداني حرج؛ حيث تعرضت مناطق نفوذ "قسد" لضغوط عسكرية متزايدة، خاصة بعد سيطرة الجيش السوري على مدن استراتيجية في ريف حلب الشرقي ومدينة الطبقة ومطارها.

 ويبدو أن قيادة "قسد" قد أيقنت أن خيار الشراكة مع دمشق هو السبيل الوحيد للحفاظ على المكتسبات الاجتماعية والثقافية للكرد ومنع صدام مباشر قد يؤدي إلى خسارة شاملة.

من جهة أخرى، يرى مراقبون أن المرسوم الرئاسي رقم 13 لعام 2026، الذي أصدره الرئيس أحمد الشرع، لعب دورًا مفصليًا في تسهيل الاتفاق؛ إذ اعترف المرسوم بالحقوق الثقافية واللغوية الكردية كجزء من النسيج السوري، مما طمأن الجانب الكردي حيال هويتهم ضمن الدولة السورية الموحدة.

التساؤلات الكبرى: ما بعد التوقيع؟

رغم أجواء التفاؤل، تبرز تساؤلات معقدة حول "آليات التطبيق". فكيف سيتم التعامل مع الوجود الأمريكي في قواعد "حقل العمر" و"كونيكو"؟ وهل ستسمح واشنطن -التي بارك مبعوثها توم باراك الاتفاق- بخروج الموارد النفطية من تحت يد حلفائها لصالح دمشق بالكامل؟

علاوة على ذلك، يواجه الاتفاق تحدي "العشائر العربية" في دير الزور والرقة؛ حيث دعا الرئيس الشرع العشائر إلى الهدوء ودعم التفاهم الجديد، إلا أن التوترات المحلية بين المكونات العربية والقيادات الكردية السابقة قد تشكل لغمًا يهدد استقرار الاتفاق إذا لم تتم معالجة ملفات المعتقلين والمظالم المحلية بجدية.