من المشادة إلى المحاكمة.. القصة الكاملة لجريمة هزت منطقة أمبابة في وضح النهار
لا تزال أصداء الجريمة البشعة التي شهدتها منطقة أمبابة بمحافظة الجيزة تلقي بظلالها على الشارع المصري، حيث كشفت تحقيقات النيابة العامة عن تفاصيل مروعة في واقعة مقتل الشاب عبد الله تامر رجب، الذي سقط ضحية لمشادة كلامية تحولت في لحظات إلى جريمة قتل عمد هزت أركان المنطقة الشعبية. الجريمة التي وقعت أحداثها في منتصف يونيو الماضي، أظهرت كيف يمكن لنزاع بسيط أن ينتهي بنزيف حاد وتمزق في القلب تحت وطأة سلاح أبيض حاد.
بداية الواقعة: مشادة كلامية انتهت بـ "دماء"
تعود تفاصيل الواقعة إلى يوم 15 يونيو 2025، عندما بدأت مشادة كلامية عادية بين المجني عليه "عبد الله" وبين المتهم المدعو رجب السيد صوفي، الذي يعمل فنيًا لتصليح الأدوات الكهربائية. لم يكن الجيران يتوقعون أن تتجاوز المشادة حدود الكلمات، إلا أن المتهم، وفقًا للتحقيقات التي أشرف عليها المستشار أمير فتحي المحامي العام لنيابة شمال الجيزة، أخرج سلاحًا أبيض "نصل كتر" كان بحوزته، وسرعان ما تطور الأمر إلى اعتداء دموي.
سدد المتهم طعنتين نافذتين استقرتا في صدر المجني عليه، قاصدًا من ذلك إزهاق روحه، مما أدى إلى سقوط الشاب فورًا على الأرض غارقًا في دمائه وسط ذهول المارة وشيوع حالة من الذعر في المنطقة.
شهود العيان: لحظات الغدر في وضح النهار
تضمنت أوراق القضية شهادات حية وصادمة، حيث أكد الشاهد الأول، أحمد إبراهيم، أنه شاهد المتهم وهو يتجه صوب المجني عليه مشهرًا سلاحه، ولم تمضِ ثوانٍ حتى باغته بالطعنات القاتلة. فيما روى الشاهد الثاني، ناصر محمد، مدير شركة أدوات منزلية، أنه وجد المجني عليه ملقى على الأرض ينزف، وعندما واجه المتهم بسؤاله عن سبب فعلته، أجاب ببرود: "هو السبب فيما آلت إليه الأمور"، في إشارة إلى أن خلافًا سابقًا كان يجمعهما.
والد المجني عليه، تامر رجب، أكد في أقواله أن نجله راح ضحية غدر المتهم، وهو ما أيدته شهادات أخرى أكدت نية المتهم في التخلص من ابنه باستخدام أداة حادة قاتلة بطبيعتها.
التقرير الطبي وسبب الوفاة: تمزق "الغشاء التاموري"
جاء تقرير الصفة التشريحية الصادر عن مصلحة الطب الشرعي ليضع النقاط على الحروف، موضحًا مدى بشاعة الاعتداء. وكشف التقرير أن الوفاة نتجت عن إصابات طعنية وقطعية حديثة في منطقة الصدر، تسببت في قطع وتمزق بالبنية الحيوية للقلب والغشاء التاموري المحيط به، بالإضافة إلى تمزق في الرئة اليمنى.
وأوضح التقرير أن هذا التمزق أدى إلى نزيف دموي غزير جدًا داخل التجويف الصدري، مما تسبب في توقف مفاجئ للدورة الدموية والتنفسية، وهو ما جعل إنقاذ الشاب أمرًا مستحيلًا رغم محاولات نقله للمستشفى.
تحريات المباحث واعترافات المتهم
أكد الرائد طارق محمد أنور، رئيس مباحث قسم شرطة أمبابة، في تحرياته السرية، أن الواقعة لم تكن وليدة الصدفة، بل جاءت نتيجة خلافات سابقة بين الطرفين. وأسفرت التحريات عن ضبط المتهم والسلاح المستخدم "الكتر" الذي كان لا يزال يحمل آثار الدماء.
وبمواجهة المتهم أمام محمد علاء وكيل النيابة، أقر بارتكاب الجريمة تفصيليًا، معترفًا بحيازته للسلاح دون مسوغ قانوني واستخدامه في طعن المجني عليه بعد المشاجرة التي نشبت بينهما.
تعد جريمة أمبابة الأخيرة جرس إنذار للمجتمع حول مدى خطورة انتشار الأسلحة البيضاء والآلات الحادة في أيدي المواطنين تحت مسميات "المهنة" أو "الحماية الشخصية". إن مقتل الشاب عبد الله تامر بـ "نصل كتر" لم يكن مجرد حادثة جنائية عابرة، بل هو انعكاس لغياب ثقافة الحوار وتحكم الغضب اللحظي الذي ينهي حياة الأبرياء في ثوانٍ معدودة. فالمتهم، وهو "فني أدوات كهربائية"، استخدم أداة عمله لتصبح أداة قتل، محولًا مهنته التي تعمر البيوت إلى وسيلة لخراب منزل أسرة كاملة فقدت ابنها في وضح النهار.
إن إحالة المتهم للمحاكمة الجنائية بتهمة القتل العمد هي الخطوة الأولى في طريق القصاص العادل، ليكون عبرة لكل من تسول له نفسه استباحة الدماء بسبب "مشادة كلامية" أو خلاف بسيط. إن أمن الشارع المصري يتطلب رقابة صارمة على حيازة هذه الأدوات في غير مواضعها، وتفعيل أقصى العقوبات ضد مرتكبي جرائم العنف. رحم الله الفقيد، وصبر أهله، وحفظ الله شبابنا من طيش الغضب وبطش السلاح، لتظل أمبابة وغيرها من أحيائنا العريقة مناطق للأمن والجيرة الحسنة لا مسارح للجرائم التي يندى لها الجبين.
