رحلة القلوب والآفاق.. كيف يحيي المسلمون ذكرى الإسراء والمعراج وما هي الأعمال المستحبة؟
تأملات في رحلة اليقين
إن ليلة الإسراء والمعراج ليست مجرد حدث تاريخي نمر عليه مرور الكرام، بل هي مدرسة إيمانية متكاملة تُعلمنا أن المحن يتبعها دائمًا منح إلهية. لقد جاءت هذه المعجزة في وقت كان النبي ﷺ يمر فيه بأصعب لحظات حياته بعد فقدان السيدة خديجة وعمه أبي طالب، فكانت الرحلة بمثابة احتفاء سماوي بخاتم الأنبياء، وتأكيدًا على أن المسجد الأقصى جزء لا يتجزأ من عقيدة المسلمين ووجدانهم.
إننا في ذكرى 27 رجب 1447، مدعوون ليس فقط للصيام والقيام، بل لإحياء القيم التي أرستها هذه الرحلة. هي دعوة لإقامة الصلاة التي كانت "معراج المؤمن"، وهي فرصة لنبذ الفرقة والتمسك بحبل الله المتين. إن الاحتفال بهذه الذكرى يكون بالاقتداء بخلق النبي، وبالتأمل في قدرة الله التي جعلت من المستحيل واقعًا يراه النبي بعينه ويحكيه لأمته فلنجعل من هذه الليلة محطة لتجديد النوايا، وتطهير القلوب، والدعاء بأن يعيد الله هذه الأيام على الأمة الإسلامية بالخير والأمن والسلام، وأن يرزقنا شفاعة من عُرِج به إلى السموات العلى.
تتجه قلوب المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، اليوم الخميس 26 رجب 1447 هجريًا، نحو استعادة ذكرى واحدة من أعظم المعجزات في تاريخ النبوة؛ ليلة الإسراء والمعراج.
هذه الرحلة التي لم تكن مجرد انتقال مكاني، بل كانت رحلة جبر للخاطر وتثبيت للفؤاد، تبدأ من مغرب يوم الخميس وتستمر حتى فجر الجمعة الموافق 27 رجب، لترسم لوحة من الإيمان والتصديق في وجدان الأمة.
تفاصيل الرحلة الإعجازية: من مكة إلى سدرة المنتهى
تعد رحلة الإسراء والمعراج ذكرى استثنائية، حيث أسرى الله -عز وجل- برسوله الكريم محمد ﷺ من المسجد الحرام بمكة المكرمة إلى المسجد الأقصى بالقدس الشريف.
وقد شملت الرحلة محطات روحانية وتاريخية كبرى، حيث مرّ النبي بالمدينة المنورة، وطور سيناء (حيث تجلى الله لموسى عليه السلام)، وبيت لحم (مهد المسيح عيسى عليه السلام).
وبحسب ما ورد في القرآن الكريم والسنة المطهرة، امتطى النبي ﷺ دابة "البراق"، ثم عُرِج به من بيت المقدس إلى السموات السبع. هناك، التقى بالأنبياء الكرام، وصعد إلى سدرة المنتهى، المكان الذي فرضت فيه الصلوات الخمس كصلة وصل دائمة بين العبد وربه، ليعود بعدها إلى مكة منشرح الصدر، مؤكدًا للعالمين أن قدرة الله لا تحدها حدود الزمان أو المكان.
الأزهر الشريف يحسم الجدل: هل يجوز صيام يوم الإسراء والمعراج؟
مع اقتراب هذه الذكرى، يتساءل الكثيرون عن حكم صيام يوم الإسراء والمعراج وفي هذا الصدد، أكد الدكتور عرفة رجب، من علماء الأزهر الشريف، أن الصيام في هذا اليوم جائز ومستحب تبركًا بهذه المناسبة العظيمة. واستشهد بالحديث الشريف: "من صام يومًا في سبيل الله باعد الله بينه وبين النار سبعين خريفًا".
وأوضح العالم الأزهري أن الصيام يمكن أن يكون الخميس أو الجمعة، مشيرًا إلى أهمية إحياء "السنة المهجورة" التي فعلها النبي حين صلى ركعتين على جبل الطور بسيناء تيمنًا بموسى وعيسى عليهما السلام.
تزامن الذكرى مع يوم الجمعة: كيف نصوم؟
نظرًا لأن يوم 27 رجب يوافق يوم جمعة، وهو يوم عيد للمسلمين يُكره إفراده بالصيام، فقد وجهت دار الإفتاء المصرية والأزهر الشريف نصيحة للمريدين بصيام يوم قبله (الخميس) أو يوم بعده (السبت) للخروج من دائرة الكراهة، مؤكدين أن التقرب إلى الله بالصيام في هذه الأيام هو من قبيل الطاعات المستحبة التي ترفع الدرجات.
الإمام الأكبر: الإسراء والمعراج معجزة خارقة للنواميس
من جانبه، وصف الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، هذه الرحلة بأنها "معجزة إلهية" اختص الله بها نبيه الكريم تكريمًا له بعد سنوات من الصبر والمعاناة في "عام الحزن". وأكد الطيب أن المعجزة كانت خرقًا لنواميس الطبيعة لتثبت مكانة النبي ﷺ الرفيعة، ولتكون بمثابة رسالة طمأنينة لكل مؤمن بأن الفرج يأتي دائمًا بعد الضيق.
