القاهرة ودبلن ترسمان خارطة طريق جديدة للتعاون الاستراتيجي.. تفاصيل لقاء عبد العاطي وماكنتي
استقبلت العاصمة المصرية القاهرة، اليوم الاثنين، زيارة دبلوماسية رفيعة المستوى، حيث عقد الدكتور بدر عبد العاطي، وزير الخارجية والهجرة وشؤون المصريين بالخارج، جلسة مباحثات موسعة مع السيدة هيلين ماكنتي، وزيرة الخارجية والتجارة والدفاع بجمهورية إيرلندا.
تأتي هذه الزيارة في توقيت بالغ الحساسية، لتعكس عمق العلاقات التاريخية والمتنامية بين البلدين، وتؤكد على الدور المحوري الذي تلعبه مصر كركيزة للاستقرار في منطقة الشرق الأوسط والمتوسط.
دلالات التوقيت وأهمية الزيارة
تكتسب زيارة الوزيرة الإيرلندية أهمية خاصة نظرًا لتعدد الحقائب التي تحملها (الخارجية والتجارة والدفاع)، مما يعطي انطباعًا بأن المباحثات لم تقتصر على التنسيق السياسي فحسب، بل امتدت لتشمل بناء شراكات اقتصادية وعسكرية وتقنية. وتأتي هذه الخطوة في إطار سعي الدولة المصرية لتنويع شركائها الدوليين وتعزيز التعاون مع دول الاتحاد الأوروبي التي تتبنى مواقف متزنة تجاه القضايا العربية.
تعزيز العلاقات الثنائية: من الدبلوماسية إلى الشراكة الاقتصادية
تناولت جلسة المباحثات سبل الارتقاء بالعلاقات الثنائية إلى آفاق أرحب. وقد أكد الدكتور بدر عبد العاطي خلال اللقاء على تطلع مصر لجذب المزيد من الاستثمارات الإيرلندية، خاصة في قطاعات التكنولوجيا، الاتصالات، والأدوية، وهي المجالات التي تبرع فيها إيرلندا عالميًا.
من الجانب الآخر، تدرك دبلن أن مصر تمثل بوابة ذهبية للأسواق الأفريقية والعربية، مما يجعل تعزيز التعاون التجاري مصلحة متبادلة. وقد ناقش الجانبان تسهيل حركة التجارة البينية، وتبادل الخبرات في مجال التحول الرقمي والطاقة المتجددة، في ظل سعى مصر للتحول إلى مركز إقليمي للطاقة.
التنسيق السياسي والقضايا الإقليمية
لم تغب الأزمات الإقليمية عن طاولة المفاوضات؛ فمصر وإيرلندا تتشاركان رؤى متقاربة حول ضرورة تحقيق السلام الشامل والعادل في المنطقة. تناول الوزيران مستجدات القضية الفلسطينية، حيث ثمنت القاهرة المواقف الإيرلندية المبدئية والداعمة للحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني في المحافل الدولية.
كما تطرقت المباحثات إلى الأزمات في ليبيا والسودان، وتداعيات التوترات في منطقة البحر الأحمر على حركة الملاحة الدولية والتجارة العالمية. وقد شدد الجانبان على أهمية تغليب الحلول السياسية والدبلوماسية لنزع فتيل النزاعات وتجنيب الشعوب ويلات الحروب.
الدفاع والأمن: رؤية مشتركة لمكافحة الإرهاب
باعتبار الوزيرة ماكنتي تحمل حقيبة الدفاع أيضًا، فقد شملت النقاشات ملفات التعاون الأمني ومكافحة الإرهاب والهجرة غير الشرعية. استعرض الجانب المصري الجهود الكبيرة التي تبذلها الدولة في تأمين حدودها والمساهمة في استقرار حوض المتوسط، وهو الأمر الذي يلقى تقديرًا واسعًا من الجانب الأوروبي. وتم تبادل الرؤى حول سبل تعزيز القدرات في مواجهة التحديات الأمنية العابرة للحدود والجريمة المنظمة.
المصريون في الخارج.. جسور للتواصل
بصفتها وزارة "الهجرة وشؤون المصريين بالخارج"، كان لملف الجالية المصرية في إيرلندا نصيب من البحث. تم التأكيد على دور الجالية كجسر ثقافي واقتصادي يربط بين البلدين، وناقش الوزير عبد العاطي سبل تقديم الرعاية والدعم للمصريين المقيمين هناك، معربًا عن تقديره للرعاية التي تتلقاها الجالية من السلطات الإيرلندية.
المؤتمر الصحفي: مخرجات ورسائل
في ختام المباحثات، عقد الوزيران مؤتمرًا صحفيًا مشتركًا، لخصا فيه أهم ما دار في الجلسة المغلقة. وأكد الدكتور بدر عبد العاطي أن المباحثات سادتها أجواء من التفاهم والحرص المشترك على دفع العلاقات إلى مستويات غير مسبوقة. ومن جانبها، أعربت هيلين ماكنتي عن إعجابها بمسيرة التنمية التي تشهدها مصر، مشددة على أن بلادها تعتبر مصر شريكًا استراتيجيًا لا غنى عنه في المنطقة.
آفاق المستقبل
إن هذه الزيارة تمهد الطريق لزيارات متبادلة على مستويات فنية وتجارية في القريب العاجل. ومن المتوقع أن تشهد الفترة القادمة توقيع مذكرات تفاهم في مجالات التعليم العالي والبحث العلمي، بالإضافة إلى تفعيل اللجان المشتركة المعنية بالتجارة والاستثمار.
ختامًا، تظل القاهرة مركز الثقل الدبلوماسي الذي يقصده قادة العالم للتشاور والتنسيق. وإن لقاء عبد العاطي وماكنتي اليوم ليس إلا لبنة جديدة في صرح علاقات قوية تطمح للوصول إلى شراكة استراتيجية شاملة تخدم مصالح الشعبين المصري والإيرلندي وتساهم في تعزيز الأمن والسلم الدوليين.
