في ذكرى رحيلها.. كيف صنعت آسيا داغر نجوم العصر الذهبي وهي لا تجيد القراءة والكتابة؟

اسيا داغر
اسيا داغر

في 12 يناير 1986، ترجلت الفارسة عن صهوة جوادها، ورحلت آسيا داغر عن عمر ناهز 85 عامًا، رحلت بجسدها، لكنها تركت خلفها إرثًا سينمائيًا يدرس، وقصة كفاح لامرأة واجهت الصعاب والمستحيل لتضع اسم مصر والوطن العربي على خريطة الفن العالمي. تظل آسيا داغر رمزًا للمنتج "المثقف" الذي يضحي بالمال من أجل القيمة، وللفنانة التي سخرت حياتها لخدمة الإبداع.

تحل اليوم ذكرى رحيل إحدى أعظم الشخصيات التي وضعت اللبنات الأولى لصناعة الفن في الشرق الأوسط، الفنانة والمنتجة القديرة آسيا داغر.

 لم تكن آسيا مجرد عابرة سبيل في تاريخ الفن، بل كانت "عميدة المنتجين" ورائدة المشروع السينمائي العربي الذي صمد لعقود، بذكاء فطري وإرادة حديدية، استطاعت امرأة لم تكن تجيد القراءة والكتابة في بداياتها أن تدير إمبراطورية إنتاجية صدرت الفن المصري إلى العالم أجمع، لتصبح رمزًا للتحدي والريادة النسائية.

البدايات: من قرى لبنان إلى أضواء القاهرة

ولدت ألماظة غصون داغر، المعروفة فنيًا بآسيا داغر، في 18 أبريل 1901 في قرية تنورين اللبنانية. نشأت في ظروف قاسية، حيث تزوجت مبكرًا وفقدت زوجها في خضم الاضطرابات السياسية التي خلفتها مرحلة الاحتلال الفرنسي في لبنان. وجدت نفسها أرملة شابة مسؤولة عن طفلة وحيدة (منى داغر)، وهو ما دفعها لاتخاذ القرار الأهم في حياتها: الهجرة إلى مصر عام 1923.

في الإسكندرية، بدأت آسيا رحلة كفاحها بجوار ابن عمها الصحفي الشهير أسعد داغر، وكان برفقتها ابنة شقيقتها ماري كويني. انتقلت بعدها إلى القاهرة، وبسليقتها الفنية، استطاعت الانخراط في الوسط السينمائي الوليد، لتشارك عام 1927 في فيلم «ليلى»، وهو أحد أعمدة السينما الصامتة، لتبدأ من هنا قصة "أم السينما المصرية".

شركة «لوتس فيلم»: قلعة الإنتاج السينمائي

في عام 1927، وفي خطوة جريئة، أسست آسيا داغر شركة «لوتس فيلم» للإنتاج والتوزيع. كانت هذه الشركة بمثابة طوق النجاة للسينما المصرية في فترات الركود.

فيلم غادة الصحراء (1929): كان باكورة إنتاجها، ونجح الفيلم في تجاوز الحدود المصرية ليُعرض في دمشق وبيروت، مما منحها وسام الاستحقاق السوري.

فيلم وخز الضمير (1931): كان نقطة تحول كبرى، حيث نالت بسببه الجنسية المصرية تقديرًا لدورها في ترويج السياحة والآثار المصرية عبر كادرات الفيلم التي صورت في الأقصر وأسوان.

شكلت آسيا ثلاثيًا ناجحًا مع ماري كويني والمخرج أحمد جلال، وقدموا معًا سلسلة من الأفلام التي ناقشت قضايا المرأة وتضحياتها، مثل فيلم "عندما تحب المرأة".

صانعة النجوم ومكتشفة العباقرة

تميزت آسيا داغر بـ "عين خبيرة" في اكتشاف المواهب. لم تكتفِ بالنجوم السائدين، بل قدمت وجوهًا غيرت وجه التاريخ الفني، ومن أبرز اكتشافاتها:

المخرجون: قدمت المخرج هنري بركات في فيلم "الشريد" (1942)، كما منحت الفرصة لعمالقة مثل حسن الإمام وكمال الشيخ.

الفنانات: كانت هي من آمن بموهبة "شحرورة الوادي" صباح، وساهمت في انطلاقة سيدة الشاشة العربية فاتن حمامة.

التوجه نحو الأفلام التاريخية والملحمية

كانت آسيا تمتلك رؤية قومية وفنية ضخمة، حيث أنتجت:

شجرة الدر (1935): أول فيلم تاريخي مصري ناطق.

أمير الانتقام (1950): الذي يعد من كلاسيكيات السينما.

رد قلبي (1957): الفيلم الذي أرخ للثورة وأُدرج ضمن أفضل 100 فيلم في تاريخ السينما المصرية.

ملحمة "الناصر صلاح الدين" والتضحية الكبرى

في عام 1963، قررت آسيا تقديم أضخم إنتاج سينمائي عرفته المنطقة وهو فيلم «الناصر صلاح الدين» بتكلفة خيالية آنذاك وصلت إلى 200 ألف جنيه. ورغم القيمة الفنية الخالدة للفيلم تحت إخراج يوسف شاهين، إلا أن الفيلم تسبب في أزمة مالية حادة لآسيا داغر أدت إلى إفلاسها والحجز على ممتلكاتها، لكنها ظلت فخورة بهذا العمل الذي اعتبرته رسالتها القومية الكبرى.

الجوائز والتكريمات: حصاد التعب

خلال مسيرتها التي امتدت لأكثر من نصف قرن، حصدت "عميدة السينما" تكريمات لا تحصى، منها:

جائزة الدولة للرواد في اليوبيل الذهبي للسينما المصرية.

وسام الاستحقاق اللبناني.

الجائزة الأولى في الإنتاج عن فيلمي "حياة أو موت" و"رد قلبي".

تكريم خاص من جامعة الدول العربية عن دورها في فيلم "الناصر صلاح الدين".