الصبر الاستراتيجي للمجلس الانتقالي الجنوبي: هل اقتربت لحظة التحول من إدارة الأزمة إلى حسم الجذور السياسية؟

الانتقالي
الانتقالي

على مدار عقد من الزمن، رسم المجلس الانتقالي الجنوبي ملامح سياسته الخارجية والداخلية بناءً على مفهوم "الصبر الاستراتيجي". كانت هذه المقاربة، في جوهرها، تعبيرًا عن إدراك عميق لتعقيدات المشهد الإقليمي وتشابك الملفات الأمنية والسياسية في اليمن والمنطقة.

 ومع حلول عام 2026، يجد الجنوب نفسه أمام استحقاقات تاريخية تتطلب مراجعة لهذه المرحلة، والانتقال من مربع "منح الفرص" إلى مربع "فرض الحلول المستدامة" التي تليق بتضحيات شعبه.

الصبر الاستراتيجي: أداة توازن أم عبء سياسي؟

منذ تأسيسه، انتهج المجلس الانتقالي سياسة مرنة تجاه التحالف العربي، وبشكل خاص مع المملكة العربية السعودية. علاوة على ذلك، استند هذا الخيار إلى قناعة بأن تجنب الصدام المباشر وتهيئة بيئة للحوار التوافقي هو السبيل الأمثل لتجنيب المنطقة انزلاقات أمنية خطيرة.

ونتيجة لذلك، قدم المجلس تنازلات جوهرية في مختلف الترتيبات الأمنية والمبادرات السياسية. إلا أن التجربة العملية أثبتت أن هذا الصبر، في ظل غياب أفق سياسي محدد، بدأ يتحول تدريجيًا من أداة لإدارة التوازنات إلى عبء سياسي. فاستمرار التعامل مع قضية شعب الجنوب كملف مؤجل أو هامشي في المسارات التفاوضية، لا يعكس الثقل الشعبي ولا الواقع السياسي والسيطرة الميدانية التي يفرضها الجنوبيون على الأرض.

اختلال الشراكات الإقليمية وغياب الرؤية الواضحة

إن الشراكات الإقليمية الناجحة، لكي تكون فاعلة، لا يمكن أن ترتكز على ترتيبات أمنية مؤقتة أو تفاهمات هشة. بناءً على ذلك، يرى مراقبون أن العلاقة بين الفاعلين الإقليميين والطرف الجنوبي تحتاج إلى:

رؤية سياسية واضحة: تتجاوز الحلول الترقيعية.

التزامات متبادلة: تضمن حقوق الأطراف كافة بناءً على الندية.

الاعتراف بالخصوصية: الإقرار بأن قضية الجنوب هي قضية سياسية بامتياز وليست مجرد ملف حقوقي أو خدمي.

بالإضافة إلى ذلك، أسهم استمرار تدهور الأوضاع الاقتصادية والخدمية في المحافظات الجنوبية، مع تهميش التمثيل السياسي في المحافل الدولية، في تآكل جدار الثقة، مما أعاد طرح تساؤلات مشروعة حول جدوى "إدارة الأزمة" بدلًا من "معالجتها".

قضية الجنوب: الرقم الصعب في معادلة الاستقرار المستدام

إن جوهر التحدي اليوم يكمن في غياب الاعتراف الدولي والإقليمي الصريح بقضية الجنوب كقضية "دولة وهوية". ومن هذا المنطلق، فإن أي محاولة لتأجيل هذه القضية إلى أجل غير مسمى لا ينتج استقرارًا، بل يعمق حالة الخلافات ويعيد إنتاج عوامل الصراع.

وبالمثل، أثبتت التجارب التاريخية أن الجنوب قد يمر بانتكاسات مرحلية نتيجة تعقيدات البيئة الإقليمية وتعدد الفاعلين، لكنه لا يفقد بوصلته السياسية أبدًا. فالخسائر المرحلية لا تعني نهاية المسار، بل هي ضريبة النضال في بيئة دولية شديدة التعقيد، تظل فيها الإرادة الشعبية هي الضمانة الأكيدة لاستمرارية المشروع الوطني الجنوبي.

الانتقال نحو الشراكة القائمة على الندية والوضوح

تستوجب المقاربة الواقعية لتحقيق الأمن في عام 2026 الانتقال إلى مرحلة جديدة. لذلك، يجب أن تقوم العلاقة بين الجنوب والقوى الإقليمية على المبادئ التالية:

الاعتراف بالفاعلين المحليين: وبشكل خاص المجلس الانتقالي الجنوبي كحامل سياسي شرعي.

بناء شراكات ندية: تقوم على تبادل المصالح المشتركة وحماية الأمن القومي العربي.

معالجة الأسباب لا الأعراض: البدء فورًا في وضع إطار تفاوضي خاص بقضية الجنوب ضمن عملية السلام الشاملة.

علاوة على ما سبق، فإن استمرار الترتيبات الهشة سيجعل أي تسوية سياسية قابلة للانهيار عند أول اختبار حقيقي، مما يجعل الاستقرار الإقليمي عرضة للاهتزاز المستمر على المدى البعيد.

الوعي الجنوبي وحتمية الانتصار

في الختام، يظل الوعي الوطني الجنوبي هو الحصن المنيع الذي يحمي المكتسبات المحققة. ختامًا، إن الجنوب الذي صبر استراتيجيًا لعقد من الزمن، يمتلك اليوم كافة الأدوات السياسية والعسكرية لانتزاع حقه، مؤكدًا أن الاستقرار الحقيقي يبدأ من عدن، ويمر عبر الاعتراف الكامل بإرادة شعبها في تقرير مصيره واستعادة دولته.

انضموا لقناة متن الإخبارية علي تيليجرام وتابعوا اهم الاخبار في الوقت المناسب.. اضغط هنا https://t.me/matnnews1