جيوبوليتيك الجنوب العربي 2026: بين طموحات الاستقلال ومشاريع التقسيم الإقليمية

جيوبوليتيكية دولة
جيوبوليتيكية دولة الجنوب العربي قوة ومفتاح الوطن العربي اقرأ

يقف الجنوب العربي اليوم أمام لحظة تاريخية فارقة تعيد رسم خارطة النفوذ في منطقة الشرق الأوسط. فبموقعه الاستراتيجي الذي يمتد على مسافة تقارب 1300 كم، من رأس الشيخ سعد بضواحي باب المندب غربًا وحتى رأس ضربة على الحدود العمانية شرقًا، يمثل الجنوب العربي الرقم الأصعب في معادلة التجارة الدولية والأمن القومي العالمي. إن هذا الامتداد الساحلي، المشرف على بحر العرب والبحر الأحمر ومضيق باب المندب، يمنح الدولة المنشودة وزنًا جيوسياسيًا يضاهي القوى الكبرى، مدعومًا بمخزون هائل من الموارد الطبيعية والمعادن النادرة.

النضال الشعبي: من ساحات الاعتصام إلى السيطرة العسكرية

لم يكن الحراك الثوري في المحافظات الثمان نتاج صدفة أو رغبة عابرة لمكون سياسي، بل هو تراكم لنضال مرير بدأ منذ عام 1994. وقد تجسدت هذه الإرادة الشعبية في المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي جعل من استعادة الدولة استراتيجية لا حيد عنها.

ومع نضج الظروف الموضوعية، انتقل المجلس من النضال السياسي إلى الفعل العسكري لتطهير الأرض، مستهدفًا إنهاء تواجد "المنطقة العسكرية الأولى" في سيئون وأجزاء من المهرة وشبوة. هذه القوات، التي كانت ترمز للوحدة المنقرضة عمليًا، اعتُبرت بؤرة حاضنة للإرهاب (قاعدة وداعش) وممرًا لوجستيًا لمليشيا الحوثي. إن تحرير هذه المناطق جاء كاستجابة لرغبة جماهيرية ترفض عقودًا من البؤس والتهميش السياسي تحت مظلة وحدة لم تجلب سوى العوز والفاقة.

التدخل السعودي وسيناريوهات الصراع الإقليمي

في المقابل، برزت تعقيدات جديدة مع اعتراض المملكة العربية السعودية على توسع نفوذ المجلس الانتقالي في المحافظات الشرقية (حضرموت والمهرة). فقد تدخلت الرياض عسكريًا عبر القصف الجوي لإجبار القوات الجنوبية على الانسحاب، مما يفتح الباب أمام احتمالات "حرب إقليمية" مصغرة.

تسعى المملكة من خلال هذا التدخل إلى تحقيق رؤيتها الخاصة:

بسط السيطرة: الرغبة في التحكم بالمحافظات الشرقية (حضرموت، المهرة، سقطرى، وجزء من شبوة).

استبدال القوى: العمل على إحلال "قوات درع الوطن" (التي أنشئت وفق اتفاق الرياض) بدلًا من قوات المجلس الانتقالي، مستخدمة مجلس القيادة الرئاسي "المنقسم" كغطاء قانوني أو "حصان طروادة".

مشروع التقسيم: تشير القراءات السياسية إلى أن المفاوضات قد تفضي إلى حل "الكيانات المتعددة"، عبر إنشاء دولة حضرموت المستقلة شرقًا، بينما يسيطر المجلس الانتقالي على دولة تضم المحافظات الغربية وجزءًا من شبوة.

المتربص الأكبر: موقف أنصار الله (الحوثيين)

بينما ينشغل الجنوب والقوى الإقليمية بهذا الصراع المحتدم، يراقب "أنصار الله" المشهد من بعيد، متربصين باللحظة المناسبة لاستكمال مشروعهم في الشمال. ومن المحتمل أن يستغل الحوثيون هذا الانقسام لاستعادة السيطرة على محافظة مأرب والساحل الغربي، وإعادة إرساء "الجمهورية العربية اليمنية" في حدود ما قبل عام 1990، مستفيدين من تآكل شرعية مجلس القيادة الرئاسي وانشغال التحالف العربي بالخلافات البينية.

 الجنوب العربي عند مفترق الطرق

إن جيوبوليتيكية الجنوب العربي تتعرض اليوم لعملية "قيصرية" قد تؤدي إلى ولادة دولتين جنوبيتين بدلًا من دولة واحدة قوية. ويقف المستقبل أمام ثلاث مسارات لا رابع لها:

المسار الأول: نجاح المجلس الانتقالي في فرض سيادته الكاملة وتحويل الموقع الاستراتيجي والثروات إلى ورقة قوة لبناء دولة الجنوب العربي الفيدرالية المستقلة.

المسار الثاني: رضوخ المنطقة لمشاريع التقسيم الإقليمية، مما يؤدي إلى نشوء دولتين مستقلتين (في الشرق والغرب) قد تنضمان لاحقًا لمجلس التعاون الخليجي لضمان استقرارهما.

المسار الثالث: استمرار الصراع الذي قد يؤدي إلى تقويض الجيوبوليتيك الجنوبي بالكامل، مما يمنح الحوثيين فرصة التمدد مجددًا في الشمال واستعادة مارب.

في كل الأحوال، يظل تطهير أرض الجنوب العربي قرارًا سياديًا شعبيًا لا يتطلب ترخيصًا من أي جهة، ويبقى الرهان على قدرة المجلس الانتقالي في الحفاظ على وحدة الصف والتراب الوطني أمام هذه العواصف الجيوسياسية.

انضموا لقناة متن الإخبارية علي تيليجرام وتابعوا اهم الاخبار في الوقت المناسب.. اضغط هنا https://t.me/matnnews1