سر الغني الفقير وبناته الثلاث.. القصة الإنسانية التي ألهمت العالم فكرة بابا نويل
مع دقات الساعات معلنةً بدء احتفالات رأس السنة الميلادية، يتحول "بابا نويل" بملابسه الحمراء ولحيته البيضاء الكثيفة إلى الأيقونة الأكثر شهرة في شوارع وميادين مصر والعالم، حيث تزدان الكنائس والمحال التجارية بتمثاله الذي يحمل كيس الهدايا الشهير.
ورغم أن الكثيرين يربطون بين بابا نويل وبين الأجواء الاحتفالية العصرية، إلا أن الحقيقة الكامنة وراء هذه الشخصية تمتد جذورها إلى أعماق التاريخ الكنسي والتقليد القبطي الأرثوذكسي، فهو ليس مجرد أسطورة تسويقية، بل هو القديس نيقولاوس، أسقف مورا، الذي عاش حياته يجسد معاني العطاء والرحمة بعيدًا عن الأضواء، ليبقى ذكره خالدًا كأحد أعظم قديسي القرن الرابع الميلادي.
الجذور التاريخية لشخصية بابا نويل في الكنيسة القبطية
تؤكد التعاليم الكنسية والسنكسار القبطي أن بابا نويل هو شخصية حقيقية تمامًا، وتعرفه الكنيسة القبطية الأرثوذكسية باسم "القديس نيقولاوس"، وتُحيي ذكراه السنوية (عيد نياحته) في العاشر من شهر كيهك، وهو الشهر الذي يرتبط في الوجدان القبطي بالتسابيح والصلوات استعدادًا لعيد الميلاد المجيد.
القديس نيقولاوس، أو "سانت كلوز" كما يُعرف في الثقافة الغربية، لم يكن يبحث عن الشهرة، بل كان يتحرك بدافع المحبة المسيحية الخالصة، حيث تركزت قصته حول مساعدة الفقراء والمحتاجين سرًا، وهو ما تحول لاحقًا إلى فكرة "توزيع الهدايا" في منتصف الليل دون أن يراه أحد.
نشأة القديس نيقولاوس ورحلته من الزهد إلى الأسقفية
وُلد القديس نيقولاوس في مدينة مورا بآسيا الصغرى (تركيا الحالية) لأسرة ثرية وتقية، وكان والده يُدعى "أبيفانيوس" ووالدته "تونة". وتقول الروايات التاريخية إنهما رُزقا به بعد سنوات طويلة من العقم والصلاة، فاعتبراه هبة من الله وربياه تربية دينية صارمة.
ومع نضوج الشاب نيقولاوس، ظهرت عليه علامات النسك والزهد، فقرر التخلي عن ثروة والديه وتوزيعها على الفقراء، والتحق بسلك الرهبنة في الدير الذي كان يرأسه ابن عمه. وبسبب ورعه الشديد، رُسم شماسًا ثم قسًا في سن التاسعة عشرة، ليجد نفسه لاحقًا يُختار بإرشاد إلهي ليكون أسقفًا لمدينة مورا، وهو المنصب الذي شغله لأكثر من أربعين عامًا اتسمت بالعدل والرحمة وصنع المعجزات.
بابا نويل بين الاضطهاد والاعتراف بالإيمان
لم تكن حياة القديس نيقولاوس (بابا نويل الحقيقي) مفروشة بالورود، بل عاصر واحدة من أصعب فترات الاضطهاد التي مر بها المسيحيون في عهد الإمبراطور دقلديانوس. وبسبب ثباته على إيمانه ورفضه التبخير للأوثان، أُلقي به في السجن وتعرض لصنوف من التعذيب، لكنه ظل صامدًا يقوي إيمان المسجونين معه. ومع اعتلاء الإمبراطور قسطنطين العرش وإصداره مرسوم التسامح الديني، أُطلق سراح القديس نيقولاوس ليعود إلى كرسيه الأسقفي بمجد عظيم، حيث استأنف عمله الرعوي وحضر مجمع نيقية المسكوني الشهير عام 325 ميلادية، مدافعًا عن العقيدة والإيمان القويم.
سر كيس الهدايا: القصة التي خلدت "سانت كلوز"
إن السبب الرئيسي وراء اقتران صورة القديس نيقولاوس بتوزيع الهدايا يعود لواقعة شهيرة رواها السنكسار، حيث كان هناك رجل غني فقد ثروته ولم يعد قادرًا على تزويج بناته الثلاث، ففكر في طريق الانحراف لإنقاذهن من الفقر. وعندما علم القديس نيقولاوس بالأمر، قام بوضع مبلغ كبير من المال في كيس وألقاه سرًا من نافذة منزل الرجل ليلًا، وتكرر الأمر مع الابنة الثانية والثالثة. ومن هنا نشأت أسطورة بابا نويل الذي يأتي في الليل ليضع الهدايا في الجوارب أو تحت الأشجار، لتتحول هذه اللفتة الإنسانية إلى رمز عالمي للعطاء المرتبط بنهاية العام وبداية العام الجديد.
بابا نويل في مصر: احتفالات تجمع بين التراث والحداثة
في مصر، تأخذ احتفالات رأس السنة طابعًا خاصًا، حيث يمتزج فيها الرمز الديني للمسيحيين بالاحتفال الشعبي لجميع المصريين. وتزدان الكنائس القبطية بصور القديس نيقولاوس بملابسه الكنسية التقليدية إلى جوار شخصية بابا نويل بملابسها الحمراء المعروفة، كنوع من الربط بين الأصل التاريخي والمظهر العصري. ويحرص المصريون في المحافظات المختلفة، من القاهرة والإسكندرية إلى المنيا وأسيوط، على اقتناء دمى بابا نويل وشجر الكريسماس كجزء من مظاهر البهجة، وسط أجواء من المحبة والتآخي التي تميز الشعب المصري في هذه المناسبات الدولية والدينية.
نياحة القديس وتحوله إلى أسطورة عالمية
بعد مسيرة طويلة من الخدمة والعطاء، تنيح القديس نيقولاوس في مدينة ميرا عن عمر ناهز الثمانين عامًا، ودُفن في كاتدرائيتها، وظل جسده هناك حتى نُقل لاحقًا إلى مدينة باري في إيطاليا. ومع مرور القرون، انتقلت قصصه إلى أوروبا وأمريكا، وتحور اسمه من "نيقولاوس" إلى "سانتا كلوز"، وتغيرت ملابسه الكنسية إلى الزي الأحمر المشهور، لكن الجوهر ظل واحدًا وهو "نشر الفرح ومساعدة المحتاج". واليوم، تظل شخصية بابا نويل تذكرنا بأن العطاء الحقيقي هو الذي يُقدم في الخفاء، وأن الفرحة الكبرى تكمن في إسعاد الآخرين، تمامًا كما فعل ذلك القديس الذي عاش قبل قرون ولا يزال حاضرًا في قلوب الملايين كل عام.
انضموا لقناة متن الإخبارية علي تيليجرام وتابعوا اهم الاخبار في الوقت المناسب.. اضغط هنا https://t.me/matnnews1
