بين مرآة التاريخ وفخاخ السياسة: قراءة في انهيار "الشرعية الوهمية" واستقامة المسار الجنوبي
حين تقف السياسة أمام مرآة التاريخ، فإنها لا تبحث عن ملامح الوجوه، وإنما تفتش عن صلابة الجوهر واستقامة المسار. والمشهد الذي نرقبه اليوم في هذه الرقعة الاستراتيجية من الجغرافيا العربية يضعنا أمام تساؤلات تتجاوز منطق المناورة، لتلامس عمق الحقيقة الغائبة خلف ركام الاتفاقات الورقية التي وُلدت ميتة أو فاقدة للصلاحية الدستورية والأخلاقية.
المبادرة الخليجية: ولادة في غرف الإنعاش وسقوط في التجاوز الدستوري
المتأمل في تاريخ ما سُمي بـ "المبادرة الخليجية"، يكتشف أنها وُلدت في غرف الإنعاش السياسي لتدارك انهيار منظومة الحكم في صنعاء عام 2011. بيد أنها سقطت في فخ التجاوز الدستوري حين أغفلت تمامًا أنه لا يوجد في نصوصها ما يُشرع نقل السلطة عبر تسويات لا تستند إلى إرادة شعبية مباشرة.
لقد حددت تلك المبادرة عمرًا افتراضيًا لفترة عبدربه منصور هادي لا تتجاوز العامين، تنتهي بانتخابات تنافسية، وهو ما لم يحدث قط. هذا الجمود حول بقاءه في السلطة وما تلاه من ترتيبات (وصولًا إلى مجلس القيادة الرئاسي الحالي) إلى مجرد استمرار لشرعية وهمية لا صلة لها بصحيح القانون، بل هي محض استهلاك سياسي يتشدق به البعض للقفز على الواقع.
الانتخابات الصورية ومقاطعة الجنوب: سقوط المشروعية من المنبع
تفرض علينا الحقائق المريرة إعادة قراءة مشهد انتخابات هادي؛ فكيف يمكن وصف عملية انتخابية بالشرعية وهي تفتقر لأدنى مقومات التنافس بمرشح وحيد يسابق ظله؟ ناهيك عن أن نسبة المشاركة في الشمال كانت ضئيلة، بينما كان الموقف في الجنوب حاسمًا بالقطيعة التامة.
هذه المقاطعة لم تكن رفضًا لشخص، بل لعملية سياسية لا تلبي طموحات الشعب الجنوبي. ومن هنا، فإن الجنوبيين الذين لم يكونوا طرفًا في المبادرة الخليجية ولا في حوار صنعاء، ليسوا ملزمين أخلاقيًا أو قانونيًا بنتائجها، خاصة بعد أن أجهز الحوثي على تلك المبادرة وانقلب عليها، مما أفقدها مشروعيتها حتى في منبتها بالشمال.
المجلس الانتقالي الجنوبي: شرعية الميدان وتفويض الشعب
بينما كانت صنعاء تغرق في صراعات مراكز القوى، كان الجنوب يخوض نضالًا وجوديًا بدأ حراكًا سلميًا وتوج بكفاح مسلح ضد الغزو الحوثي. لم يقدم الجنوبيون قوافل الشهداء من أجل "شرعية هادي" أو "وحدة ميتة"، بل من أجل استعادة دولتهم وهويتهم.
لقد انبثق المجلس الانتقالي الجنوبي من رحم هذا النضال وبتفويض شعبي واسع، ووجد نفسه شريكًا في مجلس القيادة الرئاسي لا بوصفه تابعًا، بل كطرف أساسي يمثل إرادة شعب وجغرافيا محررة. إن وجود الانتقالي أملته ضرورة تأمين المصالح الجنوبية وأمن الجزيرة العربية، دون أن يعني ذلك التزامًا بتحرير جغرافيا الشمال بالنيابة عن العاجزين، إذ إن حدود تفويضه تنتهي عند تطلعات شعبه في الاستقلال.
رشاد العليمي وقرارات الانفراد: نسف التوافق والشرعية اللاشرعية
ما يثير الدهشة اليوم هو السلوك السياسي لـ رشاد العليمي، الذي يصدر قرارات أحادية الجانب متناسيًا أن شرعيته مستمدة من اتفاق سياسي توافقي وليس دستوريًا. إن انفراد طرف بإصدار قرارات دون موافقة الشركاء (وعلى رأسهم الانتقالي) يعني انهيار هذه الشرعية تمامًا.
الأخطر من ذلك هو ذهاب العليمي نحو إصدار قرارات تمس الأشقاء في الإمارات، وهي قرارات باطلة من منظور الواقع والقانون؛ فالإمارات تقدم دعمًا عسكريًا لمواجهة عدو مشترك، والشرعية التي لا تسيطر على الأرض في الشمال لا تملك حق الوصاية على من حرر الأرض في الجنوب. إن التحرش بالحلفاء الحقيقيين في الوقت الذي تعجز فيه هذه السلطة عن تحرير شبر واحد في الشمال يضع علامات استفهام كبرى حول الأهداف الحقيقية لهذه التحركات.
إرادة الشعوب هي القوة الوحيدة
المعادلة واضحة: المجلس الانتقالي هو صاحب الشرعية الشعبية والانتصارات الميدانية، بينما تمثل قيادة العليمي حالة من "الشرعية اللاشرعية" التي تعيش في فضاء افتراضي. إن أي محاولة للاستقواء بالخارج لفرض قرارات أحادية لن تؤدي إلا إلى نسف الاستقرار الهش. التاريخ يعلمنا أن الشرعية التي لا تحميها المبادئ ولا تدعمها الإنجازات هي مجرد حبر على ورق، وأن إرادة شعب الجنوب هي القوة الوحيدة التي لا يمكن الالتفاف عليها.
انضموا لقناة متن الإخبارية علي تيليجرام وتابعوا اهم الاخبار في الوقت المناسب.. اضغط هنا https://t.me/matnnews1
