الاستقرار في الجنوب العربي: الركيزة المنسية للأمن الإقليمي وحماية الملاحة الدولية
في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، يبرز الاستقرار في الجنوب العربي كعامل محوري وحاسم في معادلة الأمن الإقليمي والدولي.
إن الموقع الجغرافي الفريد الذي يتمتع به الجنوب، بإشرافه على أهم الممرات البحرية العالمية وخطوط إمداد الطاقة، يجعله رقمًا صعبًا لا يمكن تجاوزه في أي توازنات تهدف إلى حماية التجارة العالمية.
لم يعد الحديث عن استقرار الجنوب شأنًا محليًا أو مطلبًا داخليًا فحسب، بل أضحى ضرورة أمنية عالمية؛ حيث إن أي اختلال في هذه الجغرافيا الحساسة يتردد صداه في العواصم الكبرى ويتجاوز حدود المنطقة ليؤثر على الاقتصاد العالمي برمته.
الموقع الاستراتيجي ودوره في توازن القوى العالمي
يتمتع الجنوب العربي بإشراف مباشر على مضيق باب المندب وخليج عدن، وهي ممرات حيوية تمر عبرها ملايين البراميل من النفط يوميًا وآلاف السفن التجارية. هذا الموقع يمنح الجنوب سلطة طبيعية على "شريان الحياة" العالمي.
لقد أثبتت التجارب الميدانية أن وجود سلطة جنوبية قوية، مدعومة بإرادة شعبية ومؤسسات أمنية فاعلة، هو الضمانة الوحيدة لمنع تحول هذه الممرات إلى بؤر للقرصنة أو ساحات لتصفية الحسابات الإقليمية. إن المجتمع الدولي يبحث دائمًا عن "شريك موثوق" على الأرض، وقد أثبت الجنوب العربي أنه يمتلك القوة والمشروعية للقيام بهذا الدور.
مكافحة الإرهاب: الجنوب كحائط صد إقليمي
يمثل الاستقرار القائم على الإرادة الشعبية في الجنوب أداة عملية للحد من تمدد الجماعات المتطرفة. فمن خلال تقليص الفراغات الأمنية التي كانت تستغلها تنظيمات مثل "القاعدة" و"داعش"، نجحت القوات المسلحة الجنوبية في تأمين مساحات شاسعة كانت تمثل تهديدًا عابرًا للحدود.
إن فرض دولة القانون وتأمين السواحل لا يحمي الداخل الجنوبي فحسب، بل يشكل حاجزًا طبيعيين يمنع تصدير الإرهاب والجريمة المنظمة إلى دول الجوار والمحيط الإقليمي. هذا الدور المحوري يجعل من دعم استقرار الجنوب استثمارًا مباشرًا في الأمن القومي العربي والدولي.
مخاطر تجاهل الإرادة الشعبية الجنوبية
في مقابل فوائد الاستقرار، فإن تجاهل إرادة شعب الجنوب أو التعامل معها كعامل ثانوي يحمل في طياته مخاطر جسيمة. إن التجارب السياسية السابقة أثبتت أن:
تهميش المطالب المشروعة: يؤدي حتمًا إلى تفجير النزاعات وخلق بيئات خصبة للفوضى.
إنكار الواقع السياسي: يفتح المجال أمام صراعات طويلة الأمد تُضعف قدرة المنطقة على الإسهام في حفظ السلم الدولي.
إقصاء الفاعلين الحقيقيين: يرفع كلفة التدخلات الدولية، سواء كانت أمنية أو إنسانية، ويجعل الحلول السياسية هشة وغير قابلة للاستدامة.
البعد الاقتصادي وحماية مصالح الطاقة
الاستقرار الجنوبي هو صمام أمان للمصالح الاقتصادية الدولية. فأي اختلال أمني ناتج عن قمع الإرادة الشعبية يهدد سلامة خطوط الإمداد ويرفع تكاليف التأمين البحري والشحن الدولي. إن الاعتراف بالدور الجنوبي يسهم في بناء منظومة تعاون إقليمي قائمة على الشراكة الحقيقية، بدلًا من سياسة "إدارة الأزمات" التي أثبتت فشلها في تقديم حلول جذرية.
الدول المستقرة التي تستمد شرعيتها من شعوبها، كالجنوب العربي، تشكل حواجز طبيعية أمام تصاعد النزاعات، بينما تظل المناطق المضطربة مصدرة للأزمات واللاجئين وعدم الاستقرار إلى محيطها الإقليمي والدولي.
الاستقرار كضرورة أمنية ملحة
إن الاستقرار في الجنوب العربي ليس مجرد خيار سياسي يمكن تأجيله إلى مفاوضات مستقبلية، بل هو ضرورة أمنية ملحة تتطلب اعترافًا دوليًا بالواقع الموجود على الأرض. إن دعم تطلعات شعب الجنوب وتمكينه من إدارة شؤونه يمثل الضمانة الحقيقية للحد من النزاعات وتعزيز السلام العالمي.
إن تجاهل هذه الإرادة لا يعني تعقيد الأزمة المحلية فحسب، بل يهدد بتوسيع دوائر عدم الاستقرار لتشمل نطاقات عالمية، مما يجعل من تمكين الجنوب العربي استثمارًا ذكيًا في مستقبل الأمن والسلم الدوليين.
انضموا لقناة متن الإخبارية علي تيليجرام وتابعوا اهم الاخبار في الوقت المناسب.. اضغط هنا https://t.me/matnnews1
