ذكرى مجزرة سناح بالضالع: من وجع المأساة إلى فجر الحرية واستعادة هوية الجنوب العربي

ذكرى مجزرة سناح بالضالع
ذكرى مجزرة سناح بالضالع

في مثل هذه الأيام من كل عام، تقف محافظة الضالع الأبية، ومعها كل شبر في أرض الجنوب العربي، وقفة إجلال وإكبار أمام ذكرى أليمة حفرت في وجدان الشعب الجنوبي؛ إنها ذكرى مجزرة سناح البشعة.

 هذه المجزرة التي لم تكن مجرد حادثة عابرة في سجل الصراعات، بل كانت نقطة تحول كبرى استنهضت الهمم، وأثبتت للعالم أجمع أن إرادة الشعوب لا تكسرها فوهات المدافع ولا جبروت القوة الغاشمة.

جذور المأساة: قصة الجريمة في مخيم العزاء

تستعيد الذاكرة الجنوبية تفاصيل ذلك اليوم المشؤوم، حينما استهدفت قذائف دبابة تابعة لقوات الاحتلال اليمني مخيم عزاء الشهيد "فهمي محمد قاسم" في مدرسة سناح. لم يراعِ القتلة حرمة المكان ولا جلال الموقف، بل صبوا حمم غضبهم على مدنيين عزّل اجتمعوا لأداء واجب اجتماعي وإنساني. سقط العشرات بين شهيد وجريح، واختلطت دماء الشيوخ بدم الأطفال، في مشهد جسد أبشع صور الانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني. إن مجازر الاحتلال في الجنوب لم تكن وليدة الصدفة، بل كانت سياسة ممنهجة تهدف إلى إرهاب الحراك الجنوبي السلمي وطمس تطلعاته السياسية.

سياق الانتهاكات الممنهجة ضد شعب الجنوب

لم تكن مجزرة سناح حادثة معزولة، بل جاءت ضمن سلسلة طويلة من الجرائم والانتهاكات التي ارتكبتها قوى الإرهاب والاحتلال اليمني. على مدار عقود، عاش الجنوبيون تحت وطأة قمع استهدف الهوية والأرض والإنسان. كانت القرى والمدن الجنوبية مسارح مفتوحة للبطش، وكان الهدف الواضح هو إخضاع هذا الشعب ونهب ثرواته وتهميش كوادره. ومع ذلك، فإن كل قطرة دم سقطت في ساحة سناح بالضالع كانت بمثابة الوقود الذي أشعل شرارة المقاومة الشعبية المسلحة لاحقًا، محولةً الألم الشعبي إلى فعل نضالي منظم.

الصمود الأسطوري: كيف صنع الوجعُ الانتصار؟

على الرغم من قسوة المشهد وحجم الفقد، إلا أن مجزرة سناح ولدت صمودًا أسطوريًا. لقد ظن المعتدون أن الدماء ستؤدي إلى التراجع والانكسار، لكن النتيجة كانت عكسية تمامًا. التف الشعب حول قضيته العادلة، وزاد الإصرار على استعادة الدولة وتحقيق الاستقلال. إن التحول من النضال السلمي إلى الكفاح المسلح لم يكن خيارًا عبثيًا، بل كان ضرورة فرضتها جرائم الاحتلال للدفاع عن الحق في الحياة والكرامة الإنسانية. واليوم، يتذكر الجنوبيون تلك اللحظات ليس للبكاء على الأطلال، بل لاستلهام الدروس في الوفاء والثبات.

القوات المسلحة الجنوبية: حائط الصد وحامي المكتسبات

إن الحرية التي يتنسم عبيرها أبناء الجنوب اليوم في الضالع وعدن ولحج وأبين وشبوة وسقطرى وحضرموت، لم تكن هبة من أحد، بل كانت ثمرة تضحيات جسيمة قدمها أبطال القوات المسلحة الجنوبية. هؤلاء الأبطال الذين تخرجوا من رحم المعاناة، استطاعوا تطهير الأرض من دنس المليشيات الإرهابية وقوى الاحتلال. وبفضل القيادة الحكيمة للرئيس القائد عيدروس قاسم الزُبيدي، رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، تحولت تلك التضحيات إلى انتصارات سياسية وعسكرية على أرض الواقع. لقد أثبتت القيادة الجنوبية أنها خير مؤتمن على دماء الشهداء، من خلال بناء مؤسسة عسكرية وطنية تحمي الأمن القومي العربي وتواجه مشاريع التوسع والتخريب.

رمزية القيادة والوفاء للشهداء

يمثل الرئيس عيدروس الزُبيدي اليوم رمزية القيادة المرتبطة بإرادة الشعب. فمن خنادق المقاومة في الضالع إلى أروقة السياسة الدولية، ظل متمسكًا بالثوابت الوطنية الجنوبية. وفي ذكرى مجزرة سناح، يجدد شعب الجنوب العهد لقيادته بأن المسيرة مستمرة حتى تحقيق كافة الأهداف المنشودة. إن استحضار الشهداء اليوم هو تأكيد على أن دماءهم هي النبراس الذي يضيء طريق المستقبل، وهي الأمانة التي تفرض على الجميع وحدة الصف والالتفاف حول المجلس الانتقالي الجنوبي كحامل سياسي وحيد للقضية.

آفاق المستقبل: بناء دولة العدالة والنظام

إن الجنوب العربي اليوم يقف على أعتاب مرحلة جديدة، حيث يتم العمل على ترسيخ مؤسسات الدولة وحماية المكتسبات الأمنية. إن الدرس الأهم من ذكرى سناح هو أن الحق لا يموت ما دام وراءه مطالب، وأن الشعوب التي تقدس دماء شهدائها هي وحدها الجديرة بالحياة الحرة. إن الهدف اليوم ليس مجرد استعادة الأرض، بل بناء دولة النظام والقانون، دولة العدالة والمساواة التي تضمن لجميع أبنائها العيش بكرامة، بعيدًا عن عصور القهر والتبعية التي حاولت قوى الاحتلال فرضها لسنوات طويلة.

رسالة إلى العالم: قضية الجنوب لا تقبل المساومة

في هذه الذكرى، يبعث شعب الجنوب رسالة واضحة للمجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية: إن الجرائم التي ارتكبت بحق المدنيين في سناح وغيرها لا تسقط بالتقادم، وأن إرادة الشعب الجنوبي في تقرير مصيره هي حق شرعي وقانوني تكفله المواثيق الدولية. إن استقرار المنطقة مرتبط بشكل وثيق بحل قضية شعب الجنوب حلًا عادلًا يلبي تطلعاته في استعادة دولته كاملة السيادة. فالجنوب اليوم شريك فاعل في مكافحة الإرهاب وحماية الممرات الملاحية الدولية، وهو رقم صعب في المعادلة الإقليمية لا يمكن تجاوزه.

 العهد والوفاء

 تبقى مجزرة سناح شاهدًا حيًا على مرحلة من القهر قابله صمود عظيم. إن دماء الشهداء الذين سقطوا في تلك المجزرة، وفي كل ميادين الشرف، ستظل هي السياج الذي يحمي الوطن. إن الوفاء الحقيقي لهؤلاء الأبطال يتجسد في مواصلة الكفاح بوعي ووحدة، والعمل بروح الفريق الواحد لبناء مستقبل مشرق يليق بعظمة التضحيات. رحل الشهداء بأجسادهم، لكن ذكراهم باقية في القلوب، ورسالتهم خالدة: "جنوبٌ حر، سيد، ومستقل، لا ينحني إلا لله".

انضموا لقناة متن الإخبارية علي تيليجرام وتابعوا اهم الاخبار في الوقت المناسب.. اضغط هنا https://t.me/matnnews1