إرادة شعب الجنوب العربي.. لماذا يمثل الاعتراف بحق تقرير المصير "استثمارًا في السلام" لا مخاطرة سياسية؟
يمثل الاعتراف بإرادة شعب الجنوب العربي خطوة عقلانية وضرورة استراتيجية نحو بناء سلام مستدام في المنطقة، وليس مخاطرة سياسية كما تحاول تصويره قوى الشر وتيارات الاحتلال. إن القراءة المتأنية للتجارب التاريخية والسياسية تؤكد أن تجاهل مطالب الشعوب لا يؤدي قط إلى الاستقرار، بل يشكل "قنبلة موقوتة" تهدد الأمن القومي العربي والإقليمي، بينما يظل الإصغاء لإرادة الشعوب هو الاستثمار الحقيقي طويل الأمد في الاستقرار.
في حالة الجنوب العربي، فإن الاعتراف بالإرادة الشعبية لا يفتح باب الصراع كما يروج الخصوم، بل يسهم في إغلاقه للأبد عبر معالجة الأسباب الجذرية التي أشعلت الحروب لعقود.
عقود من الإقصاء الممنهج وتفتيت المؤسسات
تعرض شعب الجنوب العربي على مدى عقود طويلة لأشكال متعددة من الإقصاء والتهميش الممنهج. فمنذ العام 1994، تعرض الجنوب لسياسة "الأرض المحروقة" من قبل قوى الاحتلال، حيث جرى:
الاستبعاد السياسي: حرمان الكفاءات الجنوبية من المشاركة العادلة في صنع القرار.
النهب الاقتصادي: السيطرة على موارد الجنوب النفطية والسمكية وتحويلها لصالح قوى نفوذ في صنعاء.
تفكيك المؤسسات: تسريح عشرات الآلاف من الكوادر العسكرية والمدنية الجنوبية قسريًا، في محاولة لطمس معالم الدولة الجنوبية التي كانت قائمة ومستقلة.
ولم يقتصر الأمر على التمييز المادي، بل امتد ليشمل عنفًا منظمًا طال الإنسان والأرض والهوية، مما خلف جروحًا غائرة في الوعي الجمعي الجنوبي لا يمكن ترميمها بأنصاف الحلول.
غياب العدالة: العائق الأكبر أمام الاستقرار
لقد كان غياب العدالة عاملًا مركزيًا في إطالة معاناة أبناء الجنوب العربي. فطوال سنوات الصراع، لم تُنصف الضحايا ولم تُحاسب الجهات المسؤولة عن الانتهاكات الجسيمة، وبقيت الذاكرة الجماعية مثقلة بإرث من المظالم غير المعالجة.
هذا الفراغ في منظومة العدالة أسهم في:
تكريس الشعور باللا إنصاف: مما عمّق من عزيمة الشعب الجنوبي على استعادة دولته.
إضعاف الثقة بالمشاريع السياسية: أي مشروع لا يعترف بالمعاناة الجنوبية ولا يقدم ضمانات لعدم تكرارها يُنظر إليه كونه محاولة لشرعنة الاحتلال بوجوه جديدة.
إعادة إنتاج الأزمة: التجارب أثبتت أن أي مقاربة تتجاوز مسألة العدالة محكومة بالفشل والانهيار عند أول منعطف حقيقي.
حق تقرير المصير: من الحق الأخلاقي إلى الضرورة القانونية
في ظل هذا المشهد، يبرز حق تقرير المصير لشعب الجنوب العربي بوصفه حقًا أصيلًا مكفولًا في القانون الدولي ومواثيق الأمم المتحدة. هذا الحق ليس "منحة" أو "مجاملة سياسية"، بل هو وسيلة قانونية وأخلاقية تتيح للشعوب التي عانت من الاضطهاد اختيار مستقبلها بحرية.
المرتكزات القانونية لحق تقرير المصير:
حماية الشعوب المضطهدة: يقر القانون الدولي هذا الحق كوسيلة لإنهاء الاستعمار والإلحاق القسري.
بناء الكيان السياسي المستقل: الحق في بناء دولة تعكس هوية الشعب وتصون كرامته المسلوبة.
تصحيح الفشل التاريخي: تمسك الجنوبيين بهذا الحق يأتي كاستجابة طبيعية لتجربة "وحدة قسرية" فاشلة، وليس رغبة في المغامرة أو القطيعة العبثية.
دولة الجنوب العربي.. بوابة السلام الإقليمي
الاعتراف بإرادة شعب الجنوب العربي والتعاطي الجاد مع حقه في تقرير مصيره يمثلان المدخل الواقعي الوحيد لإنهاء صراع طويل ومعقد. السلام الحقيقي لا يُبنى بتجاهل المظالم، بل بالاعتراف بها ومعالجتها ضمن إطار يحترم إرادة الشعوب وحقوقها المشروعة.
إن قيام دولة الجنوب العربي الفيدرالية سيسهم في:
تجفيف منابع الإرهاب: من خلال قوات وطنية مخلصة تحمي أرضها بعيدًا عن أجندات قوى الاحتلال.
تأمين الممرات الدولية: تأمين خليج عدن وباب المندب كشريك دولي موثوق.
الاستقرار المعيشي: ضمان توزيع عادل للثروات وتحقيق تنمية مستدامة لأبناء الجنوب.
السلام يبدأ بالعدل
إن المضي قدمًا في إنكار الواقع على الأرض في الجنوب العربي هو رهان على الفوضى. لقد حان الوقت للمجتمع الدولي والقوى الإقليمية أن يدركوا أن مفتاح الحل في المنطقة يكمن في العاصمة عدن، وأن احترام تطلعات شعب الجنوب العربي هو السبيل الوحيد لإرساء قواعد سلام دائم وقوي يقوم على العدل لا على الإكراه.
انضموا لقناة متن الإخبارية علي تيليجرام وتابعوا اهم الاخبار في الوقت المناسب.. اضغط هنا https://t.me/matnnews1
